تسجيل الدخول

هل سيتم تنفيذ النهب المسلح الثالث في فلسطين وماذا سيتبقى؟ . دار الحياة

أخبار سياسية
admin30 يونيو 2020آخر تحديث : منذ 5 أيام
هل سيتم تنفيذ النهب المسلح الثالث في فلسطين وماذا سيتبقى؟ . دار الحياة



* أ. د. مكرم خُوري – مَخُّول
01:10 ص، 30 يونيو 2020

توطئة

في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر فيها فلسطين، قد يكون الحصول على أجوبة للأسئلة السياسية الملحة والمقلقة بالنسبة لآخر مكائد نتنياهو وترامب ضد فلسطين وشعبها هي الطنطنة العالقة في اذهاننا وقد تكون على سبيل المثال: هل سيعلن نتنياهو فعلا عن “مخطط النهب” (“الضم”)  في الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧؟ متى سيعلن عن هذا النهب؟  ما هي الاجزاء التي سيشملها هذا النهب حاليا؟ وكيف ستأتي ردود الفعل الرسمية منها والشعبية؛ فلسطينيا، عربيا، اسلاميا، اوروبيا، آسيويا، افريقيا، وأيضا أمريكيا؟

ورغم انني سأتطرق جزئيا في معرض مداخلتي الى هذه الأسئلة، الا انني سأستمحكم عذرا لرغبتي القيام بالتمييز وذلك لغرض هذه المداخلة ما بين: “فكرة (رؤية) المخطط” وإعداد المخطط” و”توقيت الإعلان عنه” واتخاذ القرار والعمل به”. فبالإمكان الاعداد لمخطط ما والتلويح به ووضعه بعد ذلك في ‘الدرج’ والتلاعب بتوقيت الإعلان عنه وفقا لأجندات سياسية، الا انه يبقى مخططا قائما حتى يعلن عنه او يتم إلغاؤه او تجميده نتيجة افرازات جديدة تنجم عن توازنات جديدة في معادلة مبنى القوى المختلفة وصراع القوة المستمر.

مقدمة

بداية، ونظرًا للسياق الزمني والخطابي الذي تمر به فلسطين، وللتعبير عن حالة الطوارئ القصوى النابعة من التصريحات السياسية التي صدرت عن نتنياهو وترامب ولما قد يحصل في مطلع تموز ٢٠٢٠ (او بعدها) لفلسطين وللفلسطينيين. وبما أن هذه الدراسة تدعي ان الموضوع لا يتعلق بتوقيت محدد، فقد يتم تنفيذ النهب في وقت لاحق أيضا، يتحول الزمن في هذه الحالة الى عامل متغير الا ان أيديولوجية النهب تبقى ثابتة. فقد يحصل نهب الأراضي في توقيت آخر وذلك لمجرد تعشيشه كفكرة ولخدمة اجندات ومصالح معينة لدى حركات صهيونية تؤمن بنهب فلسطين بالكامل.

الموجز المُركَّز… والادعاء!

١.  لقد قرر من لا يملك، أي جيمس بلفور، وزير خارجية الاستعمار البريطاني في رسالة أصدرها في الثاني من نوفمبر ١٩١٧ (والمعروفة باسم “وعد بلفور”، منح من ليس له حق (الحركة الصهيونية) “وطنا قوميا للشعب اليهودي” في فلسطين المأهولة بسكانها الأصليين (العرب الفلسطينيين).

٢. عمل اللوبي الصهيوني على تصعيد نفوذه والتأثير على الاستعمار البريطاني المنتدب في فلسطين لتكثيف الهجرة اليهودية لفلسطين، ولشراء الأراضي خلال العقود الثلاثة اللاحقة (١٩١٧-١٩٤٧)، حتى استصدار قرار في الأمم المتحدة يقضي بتقسيم فلسطين (قرار ١٨١ بتاريخ ٢٩ تشرين الثاني – نوفمبر- ١٩٤٧) وإقامة دولتين، دولة عربية على مساحة ٤٢.٣ بالمائة من فلسطين الاصلية ودولة يهودية على ٥٧.٧ بالمائة.

٣. قرر الاحتلال “الانتداب البريطاني” الانسحاب من فلسطين تاركا إياها للعصابات الإرهابية الصهيونية لتحتل القسم الأول من فلسطين خلال نكبة ١٩٤٨ والاعلان عن “دولة” بتاريخ ١٤ أيار ١٩٤٨ لتتوالى الاعترافات الدولية بهذا الكيان.  في هذا القسم (إذا ما نظرتم الى الخرائط او تخيلتم) والذي أطلقتُ عليه اسم: ‘غرب فلسطين’، تم ترحيل حوالي ٨٠٠ ألف فلسطيني من وطنهم (الان يبلغ تعدادهم نحو ستة ملايين) وبقي فيه نحو مئتي ألف فلسطيني اسميتهم ‘ نُجاة النكبة’ (والان يصل عددهم الى اقل من مليوني فلسطيني).

 ٤.  لقد تم احتلال القسم الثاني (الشرقي) من فلسطين عام ٦٧ (فيما يسمى بـ “النكسة”) والتي تسمى المنطقة الاوسع منه، اضافة الى قطاع غزة والقدس الشرقية، بـ “الضفة الغربية” والتي تشكل ٢١.٢ بالمائة من فلسطين الاصلية (اعتقد ان استعمال تعبير “فلسطين التاريخية” مغلوط وذلك نظرا لان القضية الفلسطينية ما زالت حية نابضة إذ تشكل صراعا سياسيا وقانونيا وعسكريا ملتهبا في القرن الأخير وحتى الآن).

 ٥. وفقًا لاتفاقيتي “أوسلو” الموقعتين بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة رابين وبيريس (١٩٩٣-١٩٩٤) فقد تم الاتفاق على ان تنبثق عن منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) سلطة حكم ذاتي لفترة انتقالية حتى العام ١٩٩٩ الى ان يتم التوصل الى تسوية وفقا لقراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لعام ١٩٦٧ ورقم ٣٣٨ لعام ١٩٧٣. وبعد المرحلة الأولى من ‘غزة واريحا أولا’، فقد تم تقسيم “الضفة الغربية” المحتلة الى ثلاث مناطق: ألف A  وباء B  وجيم C ، رغم انه لم يسلم للسلطة الفلسطينية الا قسم صغير منها.

٦. ومن هنا يشار الى ان منطقة ألف A  (في الضفة الغربية) والتي تشكل ١٨ بالمائة من الضفة الغربية (والتي هي الـ ٢١.٢ بالمائة من مساحة فلسطين الاصلية)، تخضع للسلطة الفلسطينية إداريا، وبشكل محدود من حيث الامن الداخلي. وهذا ‘الامن الداخلي’ هو إلاستيكي وفقا لمزاج القمع العسكري إذ يخضع لرحمة الاحتلال. فعندما أراد شارون، اقتحم مقر المقاطعة في رام الله وحاصر ياسر عرفات، الزعيم الفلسطيني الأول في التاريخ المعاصر، الا ان ذلك أدّى الى استشهاده.   وحتى كتابة هذه السطور، أيضا خليفة عرفات، الرئيس الحالي محمود عباس (الذي يعارض استعمال الكفاح المسلح الفلسطيني بخلاف عرفات) لا يستطيع المغادرة بدون مرافقة ومتابعة ومراقبة من قبل الاحتلال واوامره. فعلى أرض الواقع يُطبق الاحتلال حاليا على كل “فلسطين الاصلية”!

٧. منطقة باء – B من الضفة الغربية تشكل ٢١ بالمائة من الضفة الغربية – (وللتوضيح اكرر، أي من كل ارض الضفة الغربية التي تشكل ال ٢١.٢ بالمائة من مساحة فلسطين الاصلية) إذ تتولى السلطة الفلسطينية ادارتها مدنيا فقط. اما امنياعسكريا فهي محتلة وخاضعة للاحتلال الاسرائيلي.

٨. اما منطقة جيم – C والتي تشكل ٦١ بالمائة من أراضي الضفة الغربية المحتلة فهي تخضع بالكامل للاحتلال الإسرائيلي مدنيا (واقتصاديا) وعسكريا. المنطقتان (B&C) تشكلان ٨٢ بالمائة من أراضي الضفة الغربية وتخضعان لسيطرة الاحتلال عسكريا بشكلٍ مباشرٍ وتام.

 ٩. بينما تشكل منطقة ألف A  ١٨ بالمائة من الضفة الغربية المحتلة، تشكّل منطقتا بي B  ٢١ بالمائة وC ٦١ بالمائة؛ تشكل المناطق الثلاث معًا ١٠٠ بالمائة.

١٠.  إذا قام نتنياهو في مطلع تموز ٢٠٢٠ (او بعدها لأن مشروع نهب الاراضي قائم وزاحف ولا علاقة له دوما بالأحداث الانتخابية وبإعلان التواريخ)  بقضم ونهب ٣٠ بالمائة من مساحة منطقتي  باء وجيم –  B&C (أي من الـ ٨٢ بالمائة من الضفة الغربية المحتلة، والتي وفقا للمخطط ستشمل أيضا الاغوار والتي وعد بفرض ““السيادة”” عليها في دعايته قبل انتخابات أيلول ٢٠١٩)،  فستتقلص مساحة الضفة الغربية المحتلة التي من المفروض ان تكون مخصصة لإقامة دولة فلسطينية عتيدة (وفقا لقرارات الأمم المتحدة)  من نسبة الـ ٢١.٢ بالمائة من مساحة فلسطين الاصلية (أي  تتقلّص حدود الـ ٤ من حزيران ١٩٦٧ ) الى اقل من ١٦ بالمائة من فلسطين الاصلية (إبان نكبة ١٩٤٨).

١١.  وبهذا ستنخفض منطقة السيطرة المفترض ان تكون في حل الدولتين في الضفة الغربية بنحو الثلث أي الى ٧٥.٤ من ال ٢١.٢ بالمائة. (أقول الثلث وليس الربع لأننا لم نسمع ان النهب سيقضم من منطقة ألف من الضفة الغربية المحتلة، أي من ال ١٨ بالمائة).

١٢. وفقا لهذه المعطيات، فان الطرف الفلسطيني مبدئيا، يدير حاليا وأو سيدير بعد النهب إداريا وامنيا (اقصد الامن الداخلي…وحتى هذا تحت رحمة الاحتلال كما ذكرنا) منطقة ألف  Aفقط – أي   الـ ١٨ بالمائة من الضفة الغربية المحتلة، والتي تساوي اقل من اربعه بالمائة فقط، وبالتحديد ٣.٨ بالمائة من مجمل مساحة “فلسطين الاصلية” (الـ ١٠٠ بالمائة) قبل النكبة.

١٣. إضافة الى النقاط أعلاه فإن استصدار الاحتلال لما يسمى بـ “قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي” المصادق عليه في ١٩ تموز ٢٠١٨، يُنتج منتوجا واضح المعالم ومغلّفا لهدف واضح وهو: الاجهاز على فلسطين وعروبتها بالكامل.

تدفق نصوص الاحتلال

عبر العقود تولد أجيال جديدة لم يتسنَّ لها الاطلاع على أمور حصلت بالماضي وتؤثر على حياتها، وقد ينسى بعض الكبار تسلسل الاحداث نتيجة لكثافة المعلومات.  فقد يكون من المفيد للمتابعين التعرّف، وبشكلٍ مباشرٍ، (من المصدر العبري) إلى ما يفكر ويخطّط له الطرف المحتل. هذا سيساعد الباحثين والمتابعين للشأن الفلسطيني والرأي العام كذلك في الحصول على رصد المحتل – (حتى الآن) وبلورة المواقف.

أود في هذه المداخلة واستنادا الى ما يسمى بـ ‘صفقة القرن’ الواردة بوثيقة تحت عنوان “رؤية السلام للازدهار” التي أصدرها وأعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية يناير ٢٠٢٠، الانطلاق بداية من التصورات المختلفة للإدارة الصهيونية التي تحتل فلسطين وتستولي تدريجيًّا على أراضيها ومواردها، إذ ان اعتداءاتها المسلحة عادة ما تفرض ممارسات “الامر الواقع” عكس – بـ “حكم القانون”. ومن ثم التوقف عند الموقف العربي والاوروبي والدولي (القانوني).

ان اتهامات الدعاية الصهيو-أمريكية (بما يتعلق بالقضية الفلسطينية) – والتي مفادها أنَّ خطابات وكتابات وتصريحات ومداخلات العرب والفلسطينيين هي انشائية وشعاراتية عاطفية لا اساس لها من الصحة وأنها تستند على انصاف معلومات ومغالطات تعتمد على الخيال الشرقي وأن جزءًا منها يقع في خانة “الكراهية لليهود”، سرعان ما تتحول الى مقدمات لحملات التضليل الصهيونية.  وذلك لكي تبرر وتُشَرعِنَ الاحتلال وجرائمه وتنقر أوتار تاريخ غابر أوروبي مضى، لا علاقة له بفلسطين، لا بل تستغله لشرعنة سلب الحق الفلسطيني. في الماضي لم يكن الاحتلال ليعير أهمية كبيرة لما ينشر في الاعلام العربي (الا لمعرفة مواقف الأنظمة) من حيث التأثير على الرأي العام العالمي. الا انه وفي عصر الثورة المعلوماتية المحمولة تكنولوجيا أصبحت الترجمة لكل اللغات متاحة. فقد تترجم الكلمات المكتوبة باللغة العربية بوقت قصير وتنشر فوريا وقد يكون لها تأثير للكشف عن المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال. فإليكم هذه المداخلة التي تعتمد بالأساس على النصوص العبرية للاحتلال.

 في هذه الورقة، واضافة لوثيقة ‘صفقة القرن’ استند إلى نصيين عبريين جديدين يتطرقان الى ‘مشروع النهب’ المتداول مؤخرا (رغم ان فكرة النهب قديمة وسأتطرق الى ذلك لاحقا مستندا الى وثيقة ثالثة). النص الأول هو عبارة عن حوار اذاعي أجري على موجات الإذاعة الإسرائيلية العبرية مع الرئيس السابق لـ “الشاباك” – (المخابرات الإسرائيلي) يورام كوهِن (يوم الثاني من حزيران ٢٠٢٠). يبلغ النّص نحو ثلاث آلاف كلمة – حيث تعد هذه الوثيقة مصدرا اوليا صدرت عن شخصية امنية ضالعة في رسم وتطبيق منهج واستراتيجيات الاحتلال.

ميزات النص الأول تنبع لمجرد تطرقها لـ “مخطط ترامب”(صفقة القرن) و ”مشروع النهب لنتنياهو” بشكل مباشر إضافة الى توجهات قديمة او أخرى مغايرة. اما النص الثاني فهو مستند “مشروع قانون” عضو الكنيست ووزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد. وأشير الى انني قمت شخصيا بترجمة كل ما هو وارد هنا من اللغة العبرية الى اللغة العربية.

المنهج والإطار النظري

عند انتهائي من كتابة هذه المادة، توصّلتُ الى نتيجة مفادها ان ما اضعه امامكم ينبثق عن الشعور بالمسؤولية وذلك لحساسية الموقف، إذ قررت ان تكون هذه الدراسة الأوليّة الطارئة جزءًا من مشروع كتاب.  لقد قمت بإعداد هذه المداخلة البانورامية المركزة، السريعة والمتواضعة بشكل مستقل وتطوعي، وذلك استنادا لقناعاتي وبناء على معرفتي الاكاديمية الشاملة واجادتي للغة العبرية وللعقلية الصهيونية ومنهجي العلمي في مراقبة سياسات وممارسات الاحتلال عن كثب لمدة تقارب الاربعة عقود (منذ احتلال لبنان ومجزرتي صبرا وشاتيلا).  الأمر الذي أتاح لي مراجعة نصوص اصليه (غير مترجمة) بأربع لغات وتبني المنهج العلمي المتعدد والمتقاطع الحقول كالعلوم السياسية والاعلام السياسي لتحليل نصوص متعددة ومنها نص حوار يورام كوهِن و’صفقة القرن’ ومشروع شاكيد ومستندات أخرى ذي صلة اذكرها في سياق الاطروحة.

 فإنَّ الهدف هو استخراج المواقف الايديولوجية والقرارات الاستراتيجية التي قد تقف وراء القرارات السياسية من النصوص الأولية (مصدر اولي)، وذلك عبر تحليل ومقارنة استخدام المصطلحات، العبارات والمفردات المتضاربة في النص لفهم ديناميكية الاحتلال في عهد نتنياهو (وقبله)، والذي عمل اول مرة كرئيس للحكومة (بعد اغتيال رابين في نوفمبر ١٩٩٥) بين ١٩٩٦-١٩٩٩ إذ فاز على شمعون بيريس. ثمَّ عاد بعد عقدين من الزمن في عام ٢٠٠٩، ليرأس الحكومة ولغاية الان، وهذه أطول فترة لرئيس وزراء منذ النكبة.

يقع نص حوار يورام كوهِن في إطار الخطاب السياسي غير الرسمي والذي أصبح سمة مهمة في المشهد الفكري – السياسي وهو جدير لفهم المواقف والمشاعر السياسية سابقا وحاليا. فتحليل المشاعر يشير إلى مهمة تحديد الآراء وأحكام الأفضلية وغيرها من المعلومات التي تدل على مواقف المعبر عنها (أيديولوجيا عن وعي وعن غير وعي).  من خلال تحليل النص يتم استصواب التحديد التلقائي لهذه المعلومات التي تتعلق بالمواقف السياسية. فمن المعروف ان الناس تعبر عن مشاعرها وآرائها بأسلوب منحاز.

لماذا نص حوار رئيس “الشاباك”؟

يشار في هذا السياق الى ان رئيس “الشاباك” السابق يورام كوهِن (مواليد ١٩٦٠) والملقب ‘بالافغاني’ ينحدر من عائلة يهودية شرقية متدينة غادرت أفغانستان واستوطنت في فلسطين عام ١٩٥١ وسكنت في حي ‘شابيرا’ المهمش اجتماعيا والضعيف اقتصاديا جنوبي يافا – تل-ابيب. و”أفغاني” لم يعرف شيئا غير خدمة الاحتلال طيلة حياته في القدس والضفة الغربية المحتلتين عام ١٩٦٧.  فبعد قضائه ٣ سنوات (بعد الثانوية) في “لواء جولاني” في الجيش، أمضى نحو أربعة عقود، منذ عام ١٩٨٢ في “الشاباك”. و”للشاباك” أقسام متعددة منها ‘منطقة الشمال’، ‘منطقة الجنوب’، ‘قسم الغرباء’ وقسم يسمى ‘القسم العربي’ والمختص بالمواطنين العرب (حملة الجوازات والهويات الإسرائيلية في غرب فلسطين) وهو أكبر قسم؛ وقسم ‘القدس ويهودا والسامرة’. وهذا الأخير هو حاضنة يورام كوهِن إذ عمل بمناصب مختلفة   كذراع رئيسي للاحتلال والقمع والقتل في الضفة الغربية المحتلة والقدس ابتداء من ٢٠٠٣ تحديدًا وبعدها عمل نائبًا لرئيس “الشاباك” ثمَّ رئيسا “للشاباك” من ٢٠١١-٢٠١٦ حيث قام بنيامين نتنياهو بإقرار تعينه لهذا المنصب. إذ انه ولغاية الان كان الشخصية الأكثر مواكبة وفي دائرة صنع القرار في فترة حكم نتنياهو. يشار الى ان كوهِن غير مؤطر حزبيا بشكل رسمي الا انه ينتمي الى التيار الصهيوني المتدين، إذ ساهم هذا التيار في تشكيل أكثر حكومة يمينية عنصرية في ‘إسرائيل’ مع ‘يسرائيل بيتينو’ (افيغدور ليبرمان) و ‘البيت اليهودي’ (نفتالي بينيت). وكما هي عادة المتقاعدين في هذا المجال، فما زال يورام كوهِن يعمل كمستشار أمني في ‘القطاع الخاص’ ويشارك باستمرار في لقاءات حواريّة في الاعلام حول القضية الفلسطينية.

ورغم ان كوهِن يعتمر ‘الكيپاة’ (طاقية المتدينين اليهود الصغيرة على الرأس) والتي عادة ما تكون مؤشرا عقائديا، الا ان اعتمار ‘الكيپاة’ لا يعني أوتوماتيكيا الانتماء الى التيار الصهيوني المتدين (كما هو الوضع في حالة كوهِن). فعلى سبيل المثال (ورغم انها حادثة فريدة) تحول السياسي ابراهام بورغ والذي نشأ في بيت متديّن، والده شلومو بورغ، من مؤسسي التيار الصهيوني- المتدين (وبالتحديد المفدال)، الى داعم وانضم في عام ٢٠١٥ (ورغم انه يعتمر ‘الكيپاة”) الى “الجبهة الديمقراطية” (حداش) في ‘غرب فلسطين’ وركيزتها الحزب الشيوعي المناوئ للصهيونية.

وهنا يرجى الانتباه الى انني سأقتبس مصطلحات استعملها يورام كوهِن بالعبرية (وترجمتها شخصيا الى العربية). ان تصنيف كوهِن كفرد أمنى (وليس كحزبي) قد يكون أحد الأسباب انه لم يستعمل الكلمات النابية والشتائم المهنية التي كانت قد وجهت الى الفلسطينيين من قبل سياسيين “إسرائيليين” يمينيين.  فمصطلحات كوهن، رغم ذلك، تشير الى مواقفه وانتمائه ومشاعره التي تنجم في صميمها عن عوامل نفسية-سياسية. فعلى سبيل المثال يذكر رئيس “الشاباك” السابق في معرض حديثه الذي تجاوز العشرين دقيقة إذاعية، ثماني مرات عبارة “حل الدولتين”. ولكن وفي كل مرة ذكر هذا المصطلح – سبقه او لحقه وصف سلبي معارض لفكرة هذا الحل. كما نجد تكرار النمط ذاته عند استخدامه لعبارة ‘الدولة الواحدة’ والذي وصفه وصفا سلبيا شديدا. إضافة الى ذلك، يمتنع كوهِن عن ذكر الاسم “فلسطين” او “دولة فلسطينية” ولا يأتي على ذكر مصطلح “احتلال”، ولا مصطلح “شعب” (عندما يتكلم عن الفلسطينيين) ولا حتى “الضفة الغربية” وبالتأكيد ليس “الضفة الغربية المحتلة” وانما يستخدم فقط الاسم ‘التوراتي’: ‘يهودا والسامرة’. المصطلحات السلبية التجاهلية تشير الى وضع نفسي مبني على عقيدة راسخة تظهر اعراضها في حالات النكران الفكري للآخر بواسطة استعمال اللغة.  وسأتطرّق الى ذلك لاحقًا.

اعتمادا على عنف الاحتلال نقرر!

يعبر كوهِن، وإن كان خارج المنصب الرسمي عبر منصة رسمية كمحطة إذاعية إسرائيلية، عن عقيدة نتنياهو الذي عمل معه مطولا والذي كان وما زال رافضا لحل الدولتين، “رؤية إسرائيلية جديدة” إذ يقول: “علينا تحديد ما يجب الا نصل إليه كهدف… لأية كارثة يجب الا نصل. بأي مستنقع يجب الا نغرق. في الامد القريب والبعيد. وأول شيء كنت سأفعله هو انني كنت سأحدد بوضوح للعالم ولإسرائيل وأقول: يجب الا نتحدث عن دولتين بعد الآن. أولاً في إسرائيل بالطبع، وكوجهة نظر”.

بعد هذه الجملة التي تقترح الاخذ بزمام الأمور وعدم الاكتراث بأحد على الاطلاق، يقترح كوهِن ان يتم تسويق الموضوع وفقًا للادعاءات التالية:

“لم تعد دولة إسرائيل متجهة نحو حل “دولتين لشعبين”، (على الأقل ليس في السنوات القادمة) … وذلك بسبب: التهديدات من غزة، بسبب التطورات التي يمكن أن تحدث في يهودا والسامرة في المستقبل، بسبب الوضع الأمني ​​غير المستقر في الشرق الأوسط … ولأسباب أخرى، وبشكل رئيسي لأسباب أمنية … لا يمكننا اتخاذ هذه الخطوة حتى لو اعتقد البعض أنها الخطوة (دولتان لشعبين) الصحيحة.”

الشيء الثاني – يقول كوهِن متطرقا الى حل “الدولة الواحدة”: “ليس أقل أهمية ولربما ليس أقل خطورة … الوصول إلى دولة واحدة”.

كوهِن يؤيّد ضم أراضي الضفة الغربية المحتلة الى ‘دولة إسرائيل’ كمبدأ جغرافي لكنه يختلف مع

طريقة نتنياهو كما ونوعا في التنفيذ، ويقول: “الضم قد يؤدي الى دولة واحدة ويهدد هوية الدولة اليهودية… أخشى ان نتدهور في الواقع إلى خيار تشكيل دولة واحدة بحكم الواقع – وهو ما اراه بمثابة كارثة للدولة اليهودية والديمقراطية. يجب عدم التدهور الى الضم الكبير الذي قد يأخذنا الى حل الدولة الواحدة… وضع يكونون في داخلنا… مثل جلد الزرافة… منفصلين ومتناثرين، فسوف يُستوعبون بنا”.

 يصرّ كوهن على عدم ذكر الفلسطينيين بالاسم (الا في حالة واحدة عندما يقارن فيما بينم)، إذ يستمر مستخدمًا تعابير تدل على تفكير وتعامل الاحتلال مع الفلسطينيين بطريقة منافية لحقوق الانسان وللقانون الدولي،  نحو استخدام لفظ “ناس” بدلا من المواطنين او البشر او المجتمع الفلسطيني او المقدسيين. ويضيف:

“اليوم لدينا في القدس ٢٠٠-٣٠٠ ألف من الناس مقيمين في القدس – وهم من سكان القدس – لماذا؟ – لكي يقوم أولادهم بشن هجمات إرهابية … ويستشهدون بيننا؟”.  قاصدا بقية الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة يقول: “إنهم سكان … والآن هل نُدخل ٢-٣-٤ مليون شخص في نفس حالة الإقامة؟ نحن نعرف انهم لن يكونوا مواطنين – لكن اصحاب نوع من الإقامة – نوع من الفلسطينيين … يعادوننا… وفي داخلنا “! كوهِن يتطرق الى الفلسطينيين كأعداء ويقول في سياق حواره “نعم لقد حاربتهم كل حياتي”….

في ربطه للأحداث والأفكار المختلفة يقول كوهِن على خطة ترامب المعروفة بـ ‘صفقة القرن’ والتي توفر الإطار السياسي لأي نوع من ‘النهب’، ما يلي: “شخصياً أعتقد أن خطة ترامب هي خطة جيدة لإسرائيل: الترتيبات الأمنية في مصلحتنا، والقدس عندنا، هناك دعم لتطبيق “السيادة” (على المستوطنات)، ولا مكان لقضية اللاجئين. كما انه توجد مزايا للفلسطينيين في نهاية العملية، فستكون لديهم دولة، وهناك جوانب معينة يتوجب عليهم القيام بها لكي يصلوا الى هناك.”

فعلا، يتطرق مستند ‘صفقة القرن’ عدة مرات، خاصةً في صفحات ٨، ١٢، ١٣ و١٤ الى هذه النقاط إذ يأتي مراوغا ومرتبطا بعدة شروط تعجيزية اثبتت في ربع القرن الأخير انها توضع في إطار توفير شهادة ‘حسن سلوك’ الا انها ليست الا خدعة لنهب المزيد من الأراضي. وجاء ما يلي: “يجب على القادة الفلسطينيين أن يتبنوا السلام بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ورفض الإرهاب بجميع أشكاله، والسماح بترتيبات خاصة تلبي الاحتياجات الأمنية الحيوية لإسرائيل والمنطقة، وبناء مؤسسات فعالة واختيار الحلول البراغماتية. إذا تم اتخاذ هذه الخطوات واستيفاء المعايير المنصوص عليها في هذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة ستدعم قيام دولة فلسطينية.” (مستند ‘صفقة القرن’ – ص ٨).

ويضيف كوهِن عن مخطط نتنياهو قائلا: وفقا لتصريحات نتنياهو، و”رغم اننا لم نر خرائط نهائية بعد”، فإنّه يريد: “ضم وتطبيق “السيادة” على ٣٠ بالمائة من أراضي الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧: ١٠ بالمائة منها مستوطنات و٢٠ بالمائة منها هو ما يسمى بمربع غور الأردن: أولئك الذين يريدون أن يتخيلوا – إنها المساحة من ‘طريق ألـون’ ولغاية نهر الأردن أيضا من الشمال… وذلك حتى “ماتساداة”. مما يعني أننا نتكلم على مئات الكيلومترات … معنى هذا الأمر هو أنك تأخذ 30 في المائة من يهودا والسامرة … وتحيط بالفلسطينيين ب ٣٦٠ درجة أرضا”.

 وبهذا يقدّم كوهن صورة موجزة، وذلك بقوله: “سيكونون جيب داخل بطن إسرائيل … فأريحا مثلا ستكون كالدمية الروسية – بابوشكا داخل بابوشكا – (دمية خشبية فارغة داخل دمية اخرى) جيب في جيب… لأنه يجب تغطيتها من كلا الجانبين؛ ونحتاج إلى استثمار مبالغ كبيرة من المال في إقامة الأسوار وفي المياه وفي البوابات الزراعية”.

النهب: المهم “وحدة الشعب”

يورام كوهِن، مبدئيا، مع النهب لكن بميكانيزمات تختلف عن مخطط النهب لنتنياهو… فانتقاداته لمخطط النهب لنتنياهو والذي يسميه ” خطوة دراماتيكية ” لا ينبع من عدم رغبته في السيطرة على الأرض او من حبه للفلسطينيين، وانما من حساباته كعسكري وكرئيس مخابرات إضافةً إلى أربعة مخاوف مختلفة لدى الإدارة الصهيونية التي تحكم فلسطين نتيجة مشروع النهب وهي كالآتي:

الأول: في الامد القصير، إنَّ هذا النهب الكبير بنسبة ٣٠٪ تقريبًا، يمكن أن يؤدي – إلى تقويض الوضع الأمني​​. ويشدد كوهِن: “ورغم انني لست متأكدا ان يعطي أبو مازن أوامر كهذه (أي ببدء الاحتجاجات) إلا ان الجمهور سيرد كما يعرف الرد – كما اعتاد على فهم الرسائل! من الممكن ألا يحدث شيئا … الا انني أعتقد أننا نخاطر هنا باحتمال حدوث ضرر كبير مقارنة بالربح”.

 والثاني: في الأمد المتوسط، أن يؤدي هذا النهب الكبير بنسبة ٣٠٪ تقريبًا، “الى أزمة في العلاقات مع الدول العربية وأزمة مع أوروبا ومحكمة لاهاي”.

 الثالث: هو إمكانية ان يحدث ضم ٣٠ بالمائة “شرخا كبيرا في أوساط المجتمع اليهودي نظرا لعدم وجود إجماع. ويشير الى ان قرار فك الارتباط مع قطاع غزة لم يتم اتخاذه بالإجماع … وكان ذلك خطأ”.

رابعا: في الأمد البعيد يتعلق في العامل الديمغرافي وضياع الهوية اليهودية لما يسميه “دولة إسرائيل الديمقراطية اليهودية”. يدعى كوهِن انه سيصعُب على مخطط نتنياهو النجاح كما هو معروض الآن لما فيه من المواجهة الكبيرة.

كوهِن لا يختلف عن نتنياهو من حيث المواقف: فهو ضد حل الدولة او الدولتين، الا انه ‘يجتهد’ ليقدم خدعة جديدة ضد حل الدولتين والذي يلقى دعم ما يسمى بـ “المجتمع الدولي”.

اقتراح كوهِن ينسجم مع مفرداته التي تقترب من انكار وجود الفلسطينيين وحقهم بالعيش كشعب حر مستقل في دولته، إذ يقترح وضعهم فيما قد اسميه: “دهليز البين ما بين” – ‘ليمبو دائم’  – إذ يقول كوهِن: “اعتقد أنه يجب علينا الاكتفاء بتحقيق هدف أكثر تواضعا يسمى “حكم ذاتي زائد” (أكثر من حكم ذاتي) … أو كما يسميها البعض: “دولة ناقص” – (“اقل من دولة”)”. بدون معرفة فيما إذا كانت الفكرة أصلا تعود الى كوهِن عندما كان رئيس “الشاباك” او انها فكرة نتنياهو، إذ ان الأخير (أي نتنياهو) قد ذكر هذه الفكرة عام ٢٠١٨. المخطط التدريجي “المتواضع” الذي يقترحه كوهِن ما هو الا خدعة جديدة يعترف بها بنفسه، وهي تشمل وفقا لما يقوله:

١. “ضم الكتل (الاستيطانية الكبيرة)، الواقعة على الخط الأخضر: “غوش عتصيون –  راموت – أماكن أخرى – جفعات زئيف – بسغات زئيف، هذه الأماكن  ستكون جزءًا من دولة إسرائيل في كل حل.

٢. إدخال (مستوطنات صغيرة اخرى) في الكتل الكبيرة، وهكذا سنحل ٨٠-٩٠٪ من المشكلة.

٣. ما سيسمح بالوصول الى غور الاردن كما هو الحال عليه اليوم.”

ويضيف كوهِن: ” بأية حل يتم تبنيه فلن يتم المساس:

١) بمركبات الوضع الأمني القائم (لن نمس بأي نشاط أمني لجهاز الأمن العام والجيش الإسرائيلي والشرطة … كل شيء سيسير على ما يرام).

٢) لن يتم إلحاق الضرر بالاستيطان… في هذه المرحلة لن نمس في المستوطنات على الاطلاق ……

 هيا نقول اننا سنضم الكتل … وعلى هذا يوجد إجماع في دولة إسرائيل.

 ٣) أيضا انه لن يتم المساس بطبيعة الحال بالأماكن المقدسة.

مما سيسمح بالوصول الى غور الاردن كما الامر هو عليه اليوم.

وبذلك فسيستعملون الحدود التي نسيطر عليها ولن نسمح لهم بحدود مستقلة مع دولة عربية وإعادة تجربة قطاع غزة.”

كوهِن يشدد على انه من الممنوع السماح لهم (يقصد للفلسطينيين) بالسيطرة على حدود:

 “من الممنوع نسخ التجربة مع قطاع غزة والسماح للفلسطينيين بحدود مع دولة عربية أخرى غير مسيطر عليها – غير خاضعة للرقابة … ومع معبر حدودي ومنطقة مفتوحة – فإن ذلك هو فرصة لتعاظم عسكري للمنظمات الارهابية والتي قد تشكل تهديدا لنا … وهذا ما حدث حتى قبل أن حلمنا أن حماس ستستولى على السلطة … وهذا على ما أعتقد كان حجر عثرة آخر … على الرغم من وجود تصريحات (إسرائيلية): أنه إذا حصل ذلك فسنهاجم … وندخل والخ … لكننا نعلم جيدًا اليوم أنه لدينا قيودًا كبيرة على (استعمال) القوة: … فلسنا في عجلة من أمرنا لخسارة أرواح البشر … والا ندخل في تعقيدات متعددة… … فليس هناك سبب في العالم لخوض تجربة فيلم مماثل في يهودا والسامرة … لذلك فأنا اعارض دولتين لشعبين”.  فإسرائيل تسيطر على المعابر والحدود ولذلك يقول لنتنياهو (الذي يقترح احاطة الفلسطينيين في الضفة الغربية ب ٣٦٠ درجة (حصار شامل) … لماذا النهب واحاطتهم… نحن مسيطرين!”

ما بين نتنياهو وكوهِن؟

فبينما وبشكل علني، ‘تقحط’ خطة نتنياهو استنادا لما تمنحه الوثيقة البلفورية للقرن الواحد وعشرين المعروفة بوثيقة ‘صفقة القرن’، يصرّح كوهن بأنّه:

 “يجب أن نذهب معهم بنهج متوازي حتى وان لم يتعاونوا (بين مزدوجين) معنا …

يجب الإقدام على عدة خطوات لتطيب خاطرهم حتى بدون قبولهم – والتي لن تضر لا بالمستوطنات أو بالأمن أو في الأماكن المقدسة”.

متجاهلا بذلك رغبات وحقوق وأماني الفلسطينيين بالحرية والاستقلال والكرامة، ويفكر بطريقة استشراقيه ودونية تجاه الفلسطينيين وفقا للمثل القديم الذي يأمل ان يطبقه على الفلسطينيين والقائل: ‘اضحك عليّ وخُذ عينيّ’ “

ويستمر بالاجتهاد وتقسيم الأراضي الفلسطينية كالفتات (او ما هو فستق فارغ وفستق مليان):

“سأحول لهم جزءا من الأرض.. يمكننا إعطاء نسبة معادلة من منطقة (ج).. واقامة تواصل جغرافي بين مناطق ألف (أ)؛ ممكن اعطاءهم اليوم ٦٠ بالمائة من اراضي ج وتحويلها من منطقة (ج) لمنطقة (ب) وسأوسع المواصلات.

 سأحسن لهم الاقتصاد… بالطبع بمبادرات وليس على حسابنا… … سيساهم العالم، وسيساهم الآخرون … كل الجهات.. بسبب الوضع الاقتصادي اليوم. لا يمكنني أن أضمن ذلك أيضًا”.

 لم يفصح كوهِن اين ذهبت النسبة المتبقية (الاربعين بالمائة؟ وكم منها هي ارض الاغوار؟). الا انه ولزيادة تبعية الفلسطينيين بالاقتصاد ‘الإسرائيلي’ يقول:

“سأسمح بزيادة العمالة (يقصد الفلسطينية) في إسرائيل كما سأقوم بإنشاء محركات نمو اقتصادي… فهذا لن يضر بأمننا … ولن يؤثر على وضعنا الإقليمي”.

ما يقوله كوهِن متناغم مع ما ورد في مستند ‘صفقة القرن’ وهو:

“لن تضطر إسرائيل إلى اقتلاع أي مستوطنة، وستدمج الغالبية العظمى من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الإسرائيلية المتجاورة. ستصبح الجيوب الإسرائيلية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية المتاخمة جزءًا من دولة إسرائيل وسيتم ربطها بها من خلال نظام مواصلات فعال”. اما عن موضوع

الحدود فيبقي مستند ‘صفقة القرن’ المجال لإسرائيل لاختيار ما يلزمها اذ يقول النص: “ستستفيد دولة إسرائيل من وجود حدود آمنة ومعترف بها.”

 اللاجئون وحق العودة

تتطرّق وثيقة ‘صفقة القرن’ للاجئين الفلسطينيين بشكل مناف لقرارات الشرعية الدولية وبالتحديد القرار (١٩٤) الذي اصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم ١١ ديسمبر ١٩٤٨، والذي جاء في الفقرة (ا) منه بأن الجمعية العامة “تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم”.

ففي وثيقة ‘صفقة القرن’ وردت في صفحتي (٣٢) و (٣٣) ثلاثة خيارات نافية لحقوق اللاجئين الفلسطينيين (وضاربة بعرض الحائط مبادرة السلام العربية (٢٠٠٢) التي بادرت اليها السعودية، إذ انها تهجِّر الفلسطينيين عن وطنهم الى الابد وتلقي الحل الديمغرافي والمالي على العرب والمسلمين وتشير الى فرض التوطين ومصادرة حق العودة إذ تشير الى الإمكانيات التالية: “للاجئين الفلسطينيين الباحثين عن مكان إقامة دائم:

١. استيعاب البعض في دولة فلسطين (وفقا للشروط الواردة المقدمة أدناه). (في وثيقة ‘صفقة القرن’).

٢. الاندماج المحلي في البلدان المضيفة (أي التوطين).

٣. الموافقة على ٥٠٠٠ لاجئ كل سنة، لعشر سنوات مقبلة (٥٠ ألف إجمالي)، فردية في منظمة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي التي توافق على المشاركة في إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين (وهنا باتفاقية الدول الفردية).”

“مشروع قانون” الوزيرة السابقة شاكيد

رغم وجود وثيقة أمريكية رسمية  (‘صفقة القرن’) تتطرق لمخطط النهب (وقد تم توزيعها ونشرها) الى جانب تصريحات غير رسمية صدرت عن دوائر الاحتلال (وهي أيضا متوفرة)؛ ونظرا لعدم وجود  وثيقة رسمية لحكومة الاحتلال تتعلق مباشرة بمخطط النهب،  إلا انني وجدتُ في سياق بحثي ان المستند الرسمي الأبرز (والوحيد لربما) المتعلق بمخطط النهب والذي دخل الى مسار التشريع والصفة الرسمية، كما انه يشكل المنصة لحمل تبعات “قانونية” النهب (انظر في القسم القانوني لاحقا)، هو “مشروع القانون” الذي قامت بتقديمه وزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد (عندما كانت في الليكود) الى رئيس الكنيست (ولكن هذه المرة كعضو كنيست عن ’اليمين الجديد’) وذلك في ٩ ديسمبر ٢٠١٩  ثمَّ جددت تقديمه في ١١ أيار ٢٠٢٠. هذه الوثيقة والتي هي مبادرة “مشروع قانون” من شاكيد تحمل عنوان:

“مشروع قانون فرض “السيادة” على غور الأردن، غوش عتصيون، جفعات زئيف، معاليه أدوميم، بيتار عيليت وعوفرا ٢٠١٩”. ويتضمن طلب التشريع ان يتم فرض “السيادة” كم يلي:

١. يسري قانون الدولة واختصاصها وإدارتها في غور الأردن وغوش عتسيون وجفعات زئيف ومعاليه أدوميم وبيتار عيليت وعوفرا كما هو موضح في الملحق.

٢. يبدأ هذا القانون من تاريخ اعتماده من قبل الكنيست.

٣. وزير الداخلية مسؤول عن تنفيذ هذا القانون، ويجوز له، بالتشاور مع وزير العدل، وضع اللوائح المتعلقة بتطبيقه وتحديد التوجيهات والتوجيهات الانتقالية بشأن استمرار صلاحية اللوائح، الأوامر، التعليمات الإدارية والحقوق والالتزامات التي كانت سارية في غور الأردن قبل بدء العمل بهذا القانون.”

عندما نقرأ هذا المستند الذي لم يتجاوز الصفحتين بشيء من التدقيق، وخلافا للتطرق السياسي والأمني في نص رئيس “الشاباك” السابق يورام كوهِن، نلاحظ ان شاكيد تستنبط حيثيات وتفسّر طلبها مستندة على منهجين في الرواية الصهيونية التي تميز بعض توجهات التيار “الديني الصهيوني” الذي يقدم حبكة مكونة من حكاية توراتية تعتمد على ربط المفهوم الديني لبعض السرديات: ان “الله منح ارض إسرائيل” الى “شعبه المختار”؛ وبنتيجة اجتهاد اللوبي الصهيوني (العلماني) في أوروبا وامريكا في القرن الماضي (وعد بلفور وغيره). وبينما تسرد حكاية المستعمرات وتسميها لتقدم بذلك حدود النهب في مخيلتها واجندتها السياسية، فهي تقدم طلبا متأملة ان يكسب ويلبس ابعادا قانونية محلية وعالمية إذ كتبت ما يلي في “رؤية طلب النهب” لفرض “السيادة”:

“لطالما كانت مناطق غور الأردن وغوش عتصيون ومعاليه أدوميم جزءًا لا يتجزأ من ارض اسرائيل التاريخية ومهد ولادة الشعب اليهودي. فبعد أن نفي الشعب من بلاده، حافظ الشعب على وفائه بينما كان في الشتات المتناثرة، ولم يتوقف عن رفع صَلاته وآماله في العودة إلى بلاده وذلك لتجديد حريته السياسية. بناء على هذا الارتباط التاريخي والتقليدي، سعى اليهود في كل جيل للتشبث بوطنهم القديم”.

تقدم شاكيد نصا لبلورة حلم (بِشَقّين): وجود “ارض – وطن” بهدف انتاج علاقة صلبة بين “الوطن” و”الشعب”، وتخلق لهذا الحلم وظيفة حديثة هي عبارة عن ضرورة قيام “دولة” تشمل “كل الأرض – الوطن” ليخدم اهدافها.

في الجزء الثاني تقوم شاكيد ببناء النص الداخلي الذي يدعم هذا “الحلم” وتجعل هذا النص يتضمن “رموزا تاريخية” وأخرى اثرية تخلق دلالات متتالية إذ تجعل من الأمثلة ادناه والتي تُرَكّب “النص التشريعي” سلسة مركبة من عدة عناصر(هي في هذه الحالة أراضي المستعمرات المختلفة)  رابطة العناصر، الواحد بالآخر كما جاء في نصها:

“معاليه أدوميم هي مستوطنة ذو طابع تاريخي في دولة إسرائيل، شقت طريقها بعد حرب يوم الغفران كنواة استيطانية انضم إليها أعضاء من جميع أنواع الطيف السياسي. كما أن المستوطنة تُذكر كميراث في المصادر وكخط ٍ حدودي ما بين قبيلتي يهودا وبنيامين. أصبحت معاليه أدوميم اليوم مدينة يقطنها حوالي ٤٠،٠٠٠نسمة. تقع المدينة على بعد حوالي ٧ كيلومترات شرقي القدس، العاصمة، في الطريق من القدس إلى البحر الميت، عند مفترق استراتيجي فيما يتعلق بتأمين الطريق إلى القدس وكمنطقة مركزية تربط بين غور الأردن، وصحراء يهودا والقدس. وهناك استيعاب عميق في إسرائيل والعالم فيما يتعلق بضم معاليه أدوميم إلى دولة إسرائيل وفرض “السيادة” الإسرائيلية على أراضيها.

لطالما كانت غوش (تجمع) عتصيون بوابة القدس: في طريقه سار أبونا إبراهيم عند سماعه الصوت القائل: “انهض  وامشِ في الأرض طولا وعرضا لأنني اعطيتك اياها”. ومن هنا سار الحجاج في طريقهم إلى الهيكل في القدس، وهنا قاتلت جيوش المكّابيون ضد اليونانيين من اجل تحرير القدس من الاحتلال اليوناني. في المنطقة ذاتها، حارب أبطال غوش عتصيون أيضًا مضحين بأنفسهم لإنقاذ القدس عاصمة إسرائيل. ووفقا لما قاله رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون: “إذا ما كانت القدس العبرية موجودة، فعلى التاريخ الإسرائيلي والشعب كله تقديم كل الشكر بالأساس لمقاتلي غوش عتصيون”.  الى هنا عاد أبناؤهم لإعادة بناء منزلهم في غوش عتصيون مع انتهاء ١٩ سنة على الاحتلال الأردني.

كان غور الأردن المكان الأول الذي وصل اليه شعب إسرائيل في نهاية رحلته الصحراوية، وفقا لكلمات الرب إلى يهشواع: “قم أنت وكل هذا الشعب واعبر الأردن الى الأرض التي أعطيتها انا لأبناء إسرائيل. حيثما وطأت اقدامكم فأكون قد منحتكم تلك الارض”. كما تم الاعتراف بحق الشعب اليهودي في هذه المساحات من الأرض من قبل دول العالم، في إعلان بلفور ومرسوم “سان ريمو”، الذي منح صلاحية دولية للارتباط التاريخي بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل وحقه في إقامته المجددة لوطنه القومي. فإن هذا الاعتراف من قبل الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته الخاصة في بلاده غير قابلة للمصادرة.

في نهاية حرب الاستقلال، ظلت المنطقة تحت الاحتلال الأردني لمدة ١٩ عامًا، حتى تم تحريرها خلال حرب الأيام الستة. ومنذ ذلك الحين، مرت سنوات عديدة أقامت خلالها دولة إسرائيل مستوطنات إسرائيلية مزدهرة يعيش فيها آلاف المواطنين الإسرائيليين، وبعضهم يقومون بتربية الجيل الثالث والرابع. إلى جانب هذه المواقع الجديدة، هناك مواقع مقدسة ومواقع أثرية وتاريخية تشهد على ارتباط إسرائيل القديمة بهذه المناطق.

لذلك، حان الوقت لفرض “السيادة” على هذه المناطق، بما في ذلك معاليه أدوميم وجميع مناطق المجلس الإقليمي غوش عتصيون وإفرات وبيتار عيليت، بما في ذلك المناطق التجارية والصناعية والمواقع الأثرية والطرق، وكذلك جميع مجالس غور الأردن وميغيلوت الإقليمية، بما في ذلك قرى: كوخاف هاشاحار، الرمان، معاليه مخماش، متسبيه حاجيت، نيفيه إيريز، مطلة فرات، عناتوت، كفار أدوميم، متسبيه أريحا والأبراج، بما في ذلك المناطق التجارية والصناعية، والمواقع الأثرية والطرق وجميع أراضي الدولة بين المستوطنات، في المناطق جيم (سي).

ولذلك، يُقترح الآن فرض قانون دولة إسرائيل وحكمها المحلي وإدارتها على هذه المنطقة وإقرارها توعوياً وقانونياً كجزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يعيش أكثر من بضعة آلاف من السكان العرب في هذه المناطق، وبالتالي فإن فرض “السيادة” لن يغير التوازن الديموغرافي في إسرائيل بشكل حقيقي، ولن يتم المساس بالطابع الديمقراطي، للدولة.” –  (انتهى نص مستند شاكيد).

كجزء من نسج نص تبرير النهب اعلاه، فالسطرين الأخيرين من “الطلب” يحملان تزويرا حقيقيا لعدد السكان الأصليين الفلسطينيين الذين يسكنون في المناطق التي تقترح نهبها وذلك في المساهمة في خدعة الرأي العام ومن التقليل بحجم الضرر الذي سيلحق بالفلسطينيين وبتذليل اية تحديات ممكن ان يفكر بها معارضي النهب (خارجيا او داخليا) الذين يدعون ان النهب سيحول “إسرائيل اليهودية الديمقراطية” الى دولة ثنائية القومية نتيجة التهديد الديمغرافي والنمو السكاني الفلسطيني.

النهب العابر للأحزاب: “مخطط ألـون ١٩٦٧”

صحيح ان ما جاء في نص كوهِن أعلاه عن ‘صفقة القرن’ ما هو الا قراءة واضحة بأن الوثيقة تعبد الطريق لنتنياهو ليحاول فعل ما يشاء في فلسطين؛ وصحيح انه ولخدمة نتنياهو وترامب يجب وضع كل المخططات الموجودة في خلاط وتغليفها مجددا لغرض التسويق السياسي. الا ان التفكير العقائدي “بأحقية الشعب اليهودي” “المُختَرع” كما جاء في وثيقة شاكيد (والتي تستعمل رموزا دينية رغم انها علمانية) لم تكن بحاجة لابتكارات جديدة. فالمقترحات السياسية المختلفة لبسط سيطرة الاحتلال الصهيوني على أكبر نسبة من اراضي فلسطين بما في ذلك الموارد الطبيعية، وبأقل خسائر مادية، تعود مباشرة وكمخطط ‘عصري’ صهيوني رأسمالي “علماني” الى اقل من شهر بعد النكسة في العام ١٩٦٧وليس بالضرورة الى وصول اليمين الاستيطاني الى دفة الحكم.

فـ “براءة الاختراع” لتهميش الشعب الفلسطيني وتهشيم وطنه تعود الى يغئال ألـون، الشخصية العلمانية العمالية التي شغلت منصب وزير العمل اثناء احتلال القسم الشرقيالثاني من فلسطين عام ١٩٦٧، وهو الشخصية ذي الباع العسكري اذ ترأس منظمة “الپلماح” (١٩٤١) الارهابية إبان النكبة والتي انضمت الى منظمتي ‘الإيتسيل’ ( ١٩٣١) و “الليحي” ( ١٩٤٠) لتصعيد الارهاب ضد حكومة الانتداب والفلسطينيين أثناء فترة الاستعداد للانقضاض على فلسطين.

ففي جلسة الحكومة يوم ١٩ حزيران ١٩٦٧ أقرَّ ألـون ان السياسة الخارجية يجب ان تكون ديناميكية مثل المخططات العسكرية واقترح ضم الخليل (جنوب القدس وبيت لحم) وذلك لضمان السيطرة على القدس المحتلة. الا انه عاد وطرح رسميا على حكومته يوم ١٣ تموز ١٩٦٧ ما تم عنونته بـ ‘مخطط ألـون’. و’مخطط ألـون’ الذي طرحه ألـون على الحكومة العمالية (كان رئيس الوزراء ليفي إشكول ووزير الدفاع موشيه ديّان) يستند على الفكر الاستعماري الذي يؤمن بحق اليهود المطلق في فلسطين وبتطبيق السيطرة الامنية والاقتصادية. ويتمحور ذلك بثلاث نقاط:

١. تطبيق العقيدة التوراتية بحق اليهود في فلسطين.

 ٢. رسم حدود أمنية على اراض فلسطينية ما بين الاحتلال وما بين الأردن.

٣. ايجاد طريقة (استيطان وبسط سيطرة عسكرية لسلب الموارد) لضمان اغلبية يهودية لما يسمى بـ “دولة يهودية ديمقراطية” ولهذا فبالإمكان منح بعض الفلسطينيين معادلة لإدارة شؤونهم المحدودة والمقتصرة على المسائل الخدماتية. كما واقترح “مخطط ألـون” الاستيلاء على غالبية غور الأردن وإعادة ما لا يلزمهم الى الأردن وإقامة حدود بينهما، أي فقدان الحدود الخارجية لأي كيان فلسطيني مستقبلي والسيطرة كذلك على ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة. ورغم انه لم يتم تبني اقتراح ألـون رسميا من قبل الحكومة، الا انه تم العمل بروح المخطط وأحيانا قرارات ألـون شخصيا، كوزير، شجّعت الاستعمار على الأرض وذلك منذ نهاية الستينيات من القرن العشرين ووفقا له أقيمت واحده من أكبر المستعمرات حاليا شرق القدس وهي مستعمرة ‘معاليه ادوميم’ (٤٠ الف مستوطن حاليا). فقد تم وصف مخطط ألـون على انه “حل وسط” من طرف الاحتلال الصهيوني ما بين أولئك الذين يريدون “إعادة الأراضي” المحتلة وأولئك الذي أرادوا التمسك بها وإقامة المستعمرات فيها. لم يكن لدى يورام كوهِن رئيس ‘الشاباك’ السابق، أي هاجس من الرتابة من تكرار نفس العمل وعدم التجدّد. فما قام به مؤخرا ما هو الا “خلطة معدلة” تأخذ بالحسبان بعض التغييرات على الأرض.

سبر غور الأغوار

عندما طرح ألـون فكرة خطته، حول الأغوار، على الحكومة بعد نكسة ١٩٦٧ مباشرة، أبقت حكومة الاحتلال الامر، في البداية، سرا ولم يتم الافصاح عن دوافع الكتمان. فقد كان لموضوع الاغوار أهمية توسعية كبيرة لدى يغئال ألـون. فللسيطرة على موارده الطبيعية سيكون الاحتلال بحاجة الى تأمين مسروقاته وذلك عبر زرع “حرس” بصفة مستعمرين. وفهم أهمية الاغوار تشير الى ان الاحتلال ليس ‘جامدا’ وانما عبارة عن سلسلة اختراقات وانتهاكات ممنهجة تتجسد بعمليات متغيرة ومتجددة وليست سكونية. عندما تكون الأطماع في المخيلة والمخططات على أراضي فلسطين قيد التجديد بشكل عام، تكون السيطرة التدريجيّة عليها بمثابة عملية يومية يتم التصدي لها من قبل المواطنين الأصليين بنضالهم العنيد وبما أوتي لهم من أدوات. إذ يتبنى الاحتلال أسلوب الاستنزاف لسرقة الأرض  شبرًا فشبرًا، وهذا ما حصل ويحصل في كل رقعة من فلسطين بشكل عام، ولكن في القسم الشرقي المحتل عام ١٩٦٧ بشكل خاص وفي هذا السياق يكون قد جاء دور الاجهاز على الاغوار.

فمنطقة غور الاردن او الاغوار هي تماس الحدود ما بين الاردن وفلسطين مما يجعلها الحدود الشرقية الخارجية، إذ تمتد من صفد شمالا وحتى النقب جنوبا. تتعدّى مساحة الاغوار الاجمالية ٧٠٠ ألف دونم ويتراوح عمقها (في النقاط المختلفة) ما بين ١٥ الى ٣٠ كم عن نهر الاردن. ويسكن فيها قرابة ٧٠ ألف مواطن فلسطيني في ٢٧ تجمعًا ثابتًا على مساحة ١٠ آلاف دونم، وعشرات التجمعات الرعوية والبدوية. وتبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الأغوار ٢٨٠ ألف دونم؛ أي ما نسبته ٣٨.٨ بالمائة من المساحة الكلية للأغوار؛ يستغل الفلسطينيون منها ٥٠ ألف دونم؛ فيما يستغل المستعمرون من الأغوار ٢٧ ألف دونٍم من الأراضي الزراعية فيها. ويسيطر الاحتلال على ٤٠٠ ألف دونم بذريعة استخدامها كمناطق عسكرية مغلقة، أي ما نسبته ٥٥.٥ بالمائة من المساحة الكلية للأغوار. ويحظر على السكان الفلسطينيين ممارسة أي نشاط زراعي أو عمراني أو أي نشاط آخر في هذه المناطق. وقد أنشأ الاحتلال ٩٠ بؤرة عسكرية في الاغوار منذ احتلاله عام ١٩٦٧، فالسيطرة موجودة لكن ليس بشكل قانوني، ويهدف مشروع النهب إلى شرعنة سيطرة الاحتلال.

تقسم مناطق الأغوار إلى: مناطق “ألف”A ، وتخضع لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومساحتها ٨٥ كم مربع، ونسبتها ٧.٤ بالمائة من مساحة الأغوار الكلية؛ مناطق باء –B، وهي منطقة تقاسم مشترك بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، مساحتها ٥٠ كم مربع، ونسبتها ٤.٣ بالمائة من المساحة الكلية للأغوار؛ ومناطق جيم – C وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ومساحتها ١١٥٥ كم مربع، وتشكل  المساحة الكبرى من منطقة الأغوار (بنسبة ٨٨.٣ بالمائة). منذ الاحتلال عام ١٩٦٧ ورغم توقيع اتفاقيتي أوسلو منذ أكثر من ربع قرن لم يتوقف الاحتلال عن انتهاكاته اليومية. فوراء البروباغندا عملية توسع ونهب لغرض استنزاف الموارد الطبيعية الواقعة في منطقة الاغوار وحرمان الفلسطينيين منها.

على أراضي الأغوار الفلسطينية تجثم ٣٦ مستعمرة، وغالبيتها زراعية، أقيمت على سرقة   ألف دونم، إضافة إلى نهب ٦٠ ألف دونم، اقتُحمت بقوة السلاح ليقيم فيها ما يقارب عشرة آلاف مستعمر. تتبع معظم المستعمرات في الأغوار للمجالس الاستيطانية الاقليمية المعروفة باسم “عرفوت هيردن” و”مجيلوت”. هذه الانتهاكات اليومية تُحدث متغيرات عميقة على الخارطة الديمغرافية، الجغرافية، العسكرية والسياسية للأغوار. وهذا يسلب الحق الفلسطيني في اقامة مشاريع الزراعة بالأساس.

 ولإزالة “العثرة الإنسانية” فقد قام الاحتلال بتهَجير ما يزيد عن خمسين ألفًا من سكان الأغوار منذ احتلاله عام ١٩٦٧؛ بالإضافة إلى تجمعات سكانية كاملة، بحجة إقامتهم في مناطق عسكرية، مثل تهجير أهالي خربة الحديدية في الأغوار الشمالية.

وقبل التهجير يأتي الهدم ولذلك تشهد الأغوار الفلسطينية عمليات هدم متواصلة ومتكررة من قبل سلطات الاحتلال لتجمعات سكانية فلسطينية بشكل كلي وجزئي، كما حدث في خربتي “الرأس الأحمر” و”عاطوف” وخرب الفارسية؛ وذلك بهدف تهجير المواطنين وتشريدهم لتسهيل عمليات نهب أراضي الأغوار بعد تطهيرها عرقياً. ووفقاً لمعطيات مؤسسة “بتسيلم” فإنه في الفترة ما بين ٢٠٠٦ وأيلول ٢٠١٧ هدم الاحتلال ما يعادل ٧٠٠ وحدة سكنيّة على الأقلّ في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار، هذا بالإضافة إلى تعرض العديد من التجمعات السكانية لعمليات إخلاء متكررة بحجة التدريبات العسكرية وما يرافق ذلك من عمليات تدمير ومصادرة لممتلكات المواطنين الفلسطينيين.

وزاد من استمرار تفجر الوضع اقامة قوات الاحتلال لحاجزي “الحمرا”، و”تياسير” على مداخل الأغوار، بهدف استخدامها في سياسة الإغلاق التي درجت على تطبيقها، للحيلولة دون وصول منتجات الأغوار إلى الأسوق الفلسطينية. كما وفصلت قوات الاحتلال الأغوار بشكل كامل عن باقي مناطق الضفة الغربية المحتلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي انطلقت في نهاية ايلول ٢٠٠٠، وذلك لعرقلة وصول المواطنين الفلسطينيين من المزارعين والعمال.

الموارد المائية في الأغوار

ان الأغوار الخصبة تشكل الجزء الأكبر من “سلة الغذاء الفلسطينية”. ولذلك تتصاعد السياسات الاستعمارية الصهيونية الموجهة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة ومنطقة الاغوار بالتحديد والسيطرة على الموارد المائية واستنزافها من قبل المستعمرين. إذ تقسم احواض المياه الجوفية في الضفة الغربية الى ثلاثة احواض رئيسية (الغربي والشمالي والشرقي). وتشمل الاغوار حوض المياه الشرقي الذي يشكل حوالي ١٧٦ م مكعب من مياه الضفة الغربية المحتلة.

تحتوي منطقة الأغوار الجنوبية على ٩١ بئرًا، والأغوار الوسطى على ٦٨ بئرًا، أما الأغوار الشمالية فتحتوي على ١٠ آبار. وكانت نسبة ٦٠ بالمائة من الآبار قد حُفِرَت في العهد الأردني – أي قبل احتلال ١٩٦٧، وغالبًا يمنع الاحتلال تجديدها ضمن سياسة التضييق على السكان. تشكّل الاغوار ٥٠ بالمائة من المساحات الزراعية في الضفة الغربية المحتلة. وتؤدي هذه التضييقات والاختراقات الى إنتاج٦٠ بالمائة من  نتاج الخضار الإجمالي (وتعد مصدر دخل اقتصادي كبير بفعل أراضيها الخصبة)، رغم انه كان بالإمكان انتاج أكثر بكثير والتصرف بالمحاصيل. بالإضافة ان السيطرة على الاغوار ستفقد الفلسطينيين ما قيمته ٤مليون متر مكعب من مياه نهر الأردن.

الاقتصاد السياحي

إضافة الى اهمية مناطق وشواطئ البحر الميت (الواقع على خط الحدود الفاصل ما بين فلسطين والأردن إذ يبعد عن القدس ٢٤ كم الى الشرق و٣٨ كم الى الجنوب الغربي)، تحتوي الاغوار على املاح من البحر الميت والتي قد تشكّل مصدرا كبيرا من قطاع السياحة والعلاج والأملاح بمختلف أنواعها لصالح الاقتصاد الفلسطيني. ولكن مع فرض سيادة الاحتلال فسيتم حرمان قطاع السياحة بشكل خاص والاقتصاد الفلسطيني بشكل عام من كل هذه الفرص التي من المفروض ان تساهم وبشكل كبير في عملية التنمية.

الديمغرافية والجغرافيا المستهدفة

في العقود الخمسة من الاحتلال (أي من ١٩٦٧-٢٠١٧) اقام الاحتلال أكثر من مئتي مستعمرة (من الصعب معرفة الرقم الصحيح وذلك بسبب تعريف نوع المستعمرة) الا انه يعترف بالمصادقة على ١٣٢ مستتعمرة يسكنها قرابة نصف مليون مستعمر. إضافة الى ذلك، توجد ١١٠ مستعمرات صغيرة أقيمت دون مصادقة حكومة الاحتلال ولكن بدعم الوزارات المختلفة وتسمى بـ “البؤر الاستيطانية” مع القدس الشرقية المحتلة يصل عدد المستوطنين فيها الى نحو ٧٠٠ ألف مستوطن إذا قام الاحتلال بضم ١١ حيا عربيا في الضفة الغربية الى “حدود إسرائيل” إضافة الى “الجيوب الاستيطانية” التي انتهكها في قلب الاحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة.

يشير مركز “بتسيلم” الى ان المستعمرات هي العامل الأكثر تأثيرًا على واقع الحياة في الضفة الغربية

المحتلة،  فإسقاطاتها على حقوق الإنسان الفلسطيني مدمّرة وتطال ما هو أبعد بكثير من مئات آلاف  الدونمات التي سُلبت منهم لأجل إقامتها بما في ذلك المراعي والأراضي الزراعية: صودرت أراضٍ لأجل شقّ مئات الكيلومترات من الشوارع الالتفافية المخصّصة للمستعمرين؛ الحواجز والوسائل الأخرى لتقييد حركة الفلسطينيين فقط، وأقيمت تبعًا لمواقع المستعمرات؛ إغلاق مجال وصول الفلسطينيين إلى كثير من أراضيهم الزراعية تلك الواقعة داخل نطاق المستعمرات أو خارجها؛ ترسيم المسار الملتوي للجدار الفاصل والذي يمسّ على نحوٍ خطير بحقوق الفلسطينيين القاطنين في محاذاته، داخل أراضي الضفة، والهدف الأساسي لإسرائيل من ذلك أن تبقي إلى الغرب من الجدار ما أمكن من المستعمرات والأراضي التي تعدّها لتوسيع المستعمرات”. تحليل الاستيلاء على الأراضي وسرقة المباني الفلسطينية بشكل عام ولكن في القدس الشرقية والخليل بشكل خاص يتمحور في عمل عصابات تتم ‘شرعنته’ بواسطة اصدار قرارات غير قانونية تطلق عليها سلطة الاحتلال “وضع اليد على أراضٍ لأغراض عسكريّة”..

ويتبنى الاحتلال تفسيرا جديدا خاصا به لقانون الاراضي العثماني (شرط الفلاحة المتواصلة للأرض كشرط لتملّكها على يد الفلسطينيين) إذ يجعل اراضي كانت بملكية فلسطينية – اراضي دولة…. اي للاحتلال. وبهذا فيكون الاحتلال قد وضع يده  الضاربة على حوالي مليون دونم.

 يوجد اليوم في مناطق جيمسي نحو ١،٢ مليون دونم مصنّفة كـ “أراضي دولة”، وتشكّل ٣٦.٥ بالمائة من مناطق جيم (سي) و-٢٢ بالمائة من مجمل أراضي الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، هناك نحو ٢٠٠ ألف دونم مصنّفة كـ “أراضي دولة” تقع في مناطق ألف A – و – باء/ B ، حيث صلاحيات التنظيم والبناء بأيدي السلطة الفلسطينية. ويشار الى انه بإمكان الاحتلال اجراء التصنيفات والتسميات التي يرغب بها، فهذا لا يغير الوضعية القانونية بأن هذه الأراضي العامة او الخاصة هي ملك، او مخصّصة، لاستعمال الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وليست للسرقة التي تقوم بها سلطات الاحتلال.

تحتل المستعمرات مساحة تصل الى حوالي ٥٥٠ ألف دونما وتشكّل نحو ١٠ بالمائة من مساحة الضفة الغربية المحتلة التي تحدث عنها يورام كوهِن.  يضاف إليها   ١،٦٥٠،٣٧٦ دونما هي المساحة المنهوبة والمخصصة “المجالس الإقليمية للمستعمرات”. وبالمجمل تبلغ مساحة الأراضي المحتلة والمنهوبة والتي تسيطر عليها المستوطنات مباشرة نحو ٤٠ بالمائة من مجمل مساحة الضفة الغربية المحتلة وتشكّل ٦٣ بالمائة من مساحة مناطق جيمC.

الموقف الـعربـي من النهب المسلح

 انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في اعقاب اقتحام آريئيل شارون وعصابته في أيلول ٢٠٠٠ للحرم القدسي الشريف، عندما شغل ايهود باراك منصب رئيس الحكومة، مما رفع من أسهم شارون الذي أصبح وبعد اقتحامه لباحة الحرم بنصف سنة رئيسا للحكومة خلفا لباراك. وكان هدف الانتفاضة الفلسطينية الثانية دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية (على الأقل بنظر البعض) في القسم الشرقي من فلسطين والمحتل عام ١٩٦٧.

وجاءت الوثيقة الرسمية المعروفة باسم “مبادرة السلام العربية” والتي عرضت الموقف العربي الرسمي تجاه فلسطين (و “الصراع”) في القرن الـ ٢١ وذلك بعد احداث ١١ أيلول ٢٠٠١ في أمريكا وتوريط بعض عرب الخليج (افرادا ورسميين) في الارهاب الدولي.

وقد طُرحت هذه المبادرة في قمة بيروت عام ٢٠٠٢ (عامين بعد انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية) أثناء فترة شارون في الحكم، بهدف التلويح بها “سلميا” في المحافل الدولية وذلك للوصول الى حل سلمي مقبول (من جهة جامعة الدول العربية) للقضية الفلسطينية؛ وعلى ان العرب على استعداد لتقديم تنازل وللتوصل الى تسوية مما سيحسن من صورة العرب وبالتحديد أولئك الذين تم اتهامهم برعاية الإرهاب الخارج من السعودية. ومَنَعَ شارون، الذي لاحق الثورة الفلسطينية منذ ما قبل مجزرتي “صبرا وشاتيلا” في لبنان، ياسر عرفات المحاصر في رام الله – منعه – من المغادرة وحضور القمة العربية، ولم يستطع القادة العرب تفعيل نفوذهم لإخراجه من المقاطعة! لم يكترث المحور الصهيو- أمريكي بالمبادرة العربية في العقدين الاخيرين. فبينما شن جورج بوش (الابن) حربا على أفغانستان بعد شهر من هجمات نيويورك (أي في أكتوبر ٢٠٠١)، قام في العام ٢٠٠٣ باحتلال وتدمير العراق بشكل ممنهج. وحاصر شارون، صديق بوش، ياسر عرفات حتى استشهد القائد الفلسطيني في نوفمبر ٢٠٠٤!

ولإدارة الاحتلال بأقل الخسائر، سحب شارون جيش الاحتلال في صيف ٢٠٠٥ من قطاع غزة المحتل وأبقى قطاع غزة الفلسطيني محاصرا جوا وبحرا وارضا ووقودا ومياها! وقد أضعف الانقسام الفلسطيني الداخلي الجبهة الفلسطينية الموسعة واظهرها ضعيفة في المحافل الدولية امام الادعاء: “مع من نتكلم وعن اية قيادة تتكلم: غزة ام رام الله؟”.

شنّ الاحتلال أمام العالم ثلاثة حروب على قطاع غزة على التوالي: في ٢٠٠٨ -٢٠٠٩ و ٢٠١٢ و٢٠١٤ وتراوح دور الأنظمة العربية لهذه الحروب ما بين التضامن (المشلول) والتآمر المكشوف الذي تحول الى فرص لفتح قنوات مع الاحتلال والتطبيع معه أحيانا عبر لعب دور الوسيط.

في العقد الأخير (٢٠١٠-٢٠٢٠) ونتيجة لما أسميته بموجة “الهزيع العربي”، حصل تراجعا لمكانة القضية الفلسطينية في الرأي العام العربي والإسلامي على وجه التحديد رغم شن الاحتلال لحربين خلال العقد الاخير. ليس فقط انه تراجع كسول وانما بعضه تحول الى حملات سلبية ضد الشعب الفلسطيني وقضيته …مناديا وبجهارة لم يسبق لها مثيل الى التطبيع الشامل مع الاحتلال وباتهام الفلسطينيين لما آلت اليه اوضاعهم. لا اعتقد ان الشعب الفلسطيني يتوقع- وبالتحديد بعد تفتيت أجزاء متعددة من العالم العربي (بما في ذلك حروب خارجية وأخرى داخلية ونزاعات حدودية وقلاقل مذهبية والخ…في سوريا، لبنان، اليمن، ليبيا، السودان، العراق، الجزائر، مصر والبحرين) ان تقوم الانظمة العربية بمساندته أو أن تدفع بجيوشها الرسمية لشن حرب لتحرير فلسطين!

ومن المتعارف عليه دوليا ان يتم “الحكم” (بلورة واتخاذ المواقف) على الخطوات والقرارات السياسية استنادا على الايديولوجية الحزبية او الفكر الفصائلي وأيضا من منطلق مصلحة الدولة او المنظمة التي تمثل شعبًا. ولفهم تلك الخطوات يجب تفسير كل ما ورد أعلاه، علميا، إذ انه من المتبع في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتي تقف في محورها أدوات (نظريات) متعددة تفسِّر علاقات القوة بين

الأطراف المتنازعة (في حل النزاعات) ومعادلات الربح والخسارة.

 فبينما قد يرى اليساري، على سبيل المثال، “المبادرة العربية للسلام” كمبادرة استسلام تتنازل عن فلسطين كحق، ليس من المفهوم لماذا يجب ان يتم التنازل عنه، وانشاء جسر للتطبيع مع الاحتلال، تراها جهات أخرى (الوسط – المركز) على انها حل وسط مقبول إذا ما اخذنا بعين الاعتبار ميزان القوة بين القوى المختلفة لطرفي النزاع، كما يراها اليمين اختراقا لتحقيق السلام وانهاء الصراع.

لذلك فالتحليل البارد وفقا لنماذج “علاقات القوة ومعادلات الربح والخسارة” يشير الى ان مضمون “المبادرة العربية للسلام” (والتي قدمها ملك السعودية السابق عبد الله بن عبد العزيز) وتوقيت المبادرة، الاستراتيجية الإعلامية (السياسية) التي رافقتها، والتكتيك السياسي الذي تم طرحه في سياقها،  والذي كان من الممكن  أن يخدم الطرف الفلسطيني (او لنقل على الاقل) التيار المركزي في أدني حد، لم يحقق أهدافه ابدا كما انه لم يخدم اجندة أي فصيل او توجه أيديولوجي للشعب الفلسطيني من اقصى اليمين الى اقصى اليسار (لا وفقا لحل الدولة ولا الدولتين). ليس فقط لان المبادرة العربية قدمت صكا مفتوحا للاحتلال بدون مقابل، بل لأنها قبلت بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ (أي على ٢٢ بالمائة من فلسطين الاصلية) ووافقت على التطبيع الكامل مع إدارة الاحتلال ودولته حتى (شريطة ان يقبل الاحتلال بذلك) قبل ان تعرف رد فعل الاحتلال الذي لم يعترف بالمبادرة لغاية الان.

فالاحتلال آنذاك، ممثلا بشارون ومن لحقه، رفض المبادرة كليا. ومنذ ان تولى نتنياهو (ثانية) الحكم في ٢٠٠٩ ازداد تطرفا وعدوانية بممارساته على الأرض، حتى قبل الإعلان عن مخططات النهب، إذ طحن كل بنود المبادرة العربية وها هو سائر في سد الطريق امام كل حل سلمي حتى لو كان انهزاميا (وفي الأمد المنظور).  وبهذا تكون الأنظمة العربية قد بقيت خالية الوفاض (بالنسبة لحل القضية الفلسطينية)، وهي التي كانت قد أعلنت مرارا انها لن تتحرك قيد أنملة ما لم يقبل الاحتلال أولا بالمبادرة العربية بالكامل، بل تلاشت نفوذها بشكل كبير. لقد فشلت المبادرة العربية للسلام بإقناع إسرائيل بخيار “السلام العادل” وبالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها عام ١٩٦٧ وبحل تراجيدي للاجئين الفلسطينيين. ولم تنجح المبادرة بتحقيق أي انجاز للشعب الفلسطيني. لا بل انها أعطت الاحتلال ما وعدت ان تعطيه إياه في حال وافق على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧: تطبيعا متزايدا.

صحيح أنَّ الجامعة العربية ما زالت تصدر البيانات، بما في ذلك البيان الأخير الذي صدر عن الأستاذ أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، يوم ١١ حزيران ٢٠٢٠ والذي أعرب على “ان ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة سوف يمثل عدواناً غاشماً جديداً على الشعب الفلسطيني وسيادته على أراضيه، وسيعدُ خطوة عدائية ضد الأمتين العربية والإسلامية، ويقوض تماماً فرص إقامة السلام في هذه المنطقة من العالم لعقود طويلة قادمة.” وصحيح ان منظمة التحرير الفلسطينية تتحرك في المحافل الدولية بواسطة مجموعات مختلفة بما فيها المجموعة العربية على وجه التحديد الا ان نوعية هذا التحرك تشكل قوة محدودة للغاية، ليس بمقدورها التأثير بشكل ملحوظ على ممارسات الاحتلال وتغيير قراراته.

فاستنادا على مراقبة التصرفات السياسية (من لقاءات مباشرة بين ممثلي بعض الأنظمة العربية والاحتلال) ونسج العلاقات التجارية، بما فيها الاستشارات العسكرية، التكنولوجية والتصريحات الإعلامية ما بين رسميين لبعض الأنظمة العربية والاحتلال، فقد تبلور نموذجا (موديل) لا يمكن زعزعته وهو يتسم بوجود “ارتباط قوي” و “علاقة طردية” ما بين قيام الأنظمة العربية بالتطبيع مع الاحتلال وبين قيام الاحتلال بقضم الحق الفلسطيني وإجهازه على فلسطين بالكامل.

على المستوى الفلسطيني الرسمي، وإن لم يكن بمقدور القيادة الفلسطينية التحدث عن ذلك علنا لعدم اشعال التوترات العربية – الفلسطينية، كانت تتمنى ان تتوقف بعض الدول عن التطبيع مع الاحتلال (ليست تلك التي لديها اتفاقيات سلام)، وعن التعامل الكلي مع الاحتلال. ومن تلك التي لديها علاقات رسمية بمستويات مختلفة، ان تنسحب من الاتفاقيات والغاء عقود او على الأقل تخفيض في مستوى العلاقات الديبلوماسية ناهيك عن الدعوة لفرض العقوبات والمقاطعة. وعلى صعيد التعبئة الداخلية، الا تشطب بعض الحكومات العربية تدريس القضية الفلسطينية من كتب التاريخ والا تبدل الخرائط الفلسطينية بخرائط صهيو-أمريكية؛ وان تتم اعادة المناهج التعليمية التي تدرس عن القضية الفلسطينية.

إنَّ معاينة ردود الفعل الفلسطيني الشعبي عبر منصات التواصل الاجتماعي والاعلام البديل واو “المقاوم” تؤكّد انَّ الشّعب الفلسطيني يتوقع من العرب أكثر من ذلك بكثير؛ يتوقع هبة شعبية ووقفة تضامنية تثير الرأي العام ليس فقط ليصقل اجندته وانما ليؤثر على اجندة الرأي العالم العالمي، ويؤدي الى ضغط على القوة المحتلة وخصيصا بعد تمريرها لـ’قانون قومية الدولة اليهودية’ الأخير الذي يكرس لدولة الفصل العنصري –  الابارتهايد.

متابعة حثيثة للموقف الشعبي الفلسطيني تشير الى وجود امتعاض شديد لدى الشعب الفلسطيني ليس فقط لما يشاهده من بعض الأوساط الخليجية على جميع المستويات، وانما وبالتحديد على المستوى الرسمي العربي. فتقرأ وتسمع ان الشعب الفلسطيني عموما بينما هو شاكر لما تم تقديمه اليه من انوع مختلفة من الدعم (المالي بالأساس) – الا انه في العقدين الأخيرين –منذ الانتفاضة الثانية – غالبية ما شاهده من الموقف العربي الرسمي تمحور في اصدار بيانات الإدانة والشجب والاستنكار؛ بما في ذلك موقف الدول العربية الرافض رسميا لـ ‘صفقة القرن’ وذلك بعد ان مارس الطرف الفلسطيني عملية تخجيل لبعض “الاخوة العرب”. وهذا ما يعتقد الشعب الفلسطيني انه لا يرتقي الى مستوى المخاطر التي تحدق به وبمصيره.

وفقا لمعاينة مستمرة لردود فعل الشعب الفلسطيني في غالبية أماكن تواجده، يود الشعب الفلسطيني ان يرى ردا على مخطط النهب عبر اطلاق حملات مقاطعة ومضابط جماهيرية وحملات إعلامية وهبة متزايدة في وسائل التواصل الاجتماعي ومحاضرات عامة وورشات عمل للنقابات ومظاهرات جماهيرية صاخبة …لا بل ان الانطباع من ردود الفعل هو اني يريد ان يرى: تجريما لمن يتعرض الى فلسطين كقضية قومية في العالم العربي في الاعلام والمنابر السياسية او الدينية العامة؛ يريد ان يرى  تزايدا في دعم المشاريع التي تثبت القضية الفلسطينية وتدافع عن شؤونه وأخرى تساهم في صمود أهلها عموما وفي المناطق الحساسة على وجه التحديد.

الأردن: الضعف كقوة؟

بينما الهدف من الإعلان عن مخطط النهب (وهو الحاصل بالممارسة على الأرض) هو الاجهاز على فلسطين (الجاري باستمرار وبالتقسيط) ولكن هذه المرة بقسط كبير، إلا أنَّ المتضرر الثاني الأكبر هو الأردن.

سيتحكم الاحتلال بشكل نهائي بالحدود ما بينه وما بين الأردن ويمنع أي تطور اقتصادي وتجاري ما بين الطرفين، الاردني والفلسطيني (الذي من المخطط له ان يصبح بؤرا اجتماعية مفتتة ولاحقا ترحيل اعداد كبيرة منه شرقا). وبعدم تجنيس الفلسطينيين في هذه البؤر المسيطر عليها من الاحتلال ستكون لها إقامة بدون حقوق ونتيجة لذلك سيبدأ الفلسطينيون بالعبور الى الأردن بناء على الروابط العائلية والهجرة الاقتصادية وما يعرف بالتهجير القسري (نظرا للممارسات الممنهجة ضد الفلسطينيين والتي تعد جريمة حرب). وسيتسبب التضييق بإقفال كل أفق للفرد الفلسطيني الذي سيكون امامه حلا وحيدا وهو التوجه شرقا. رويدا رويدا ستتغير ديمغرافية الأردن (بهدف المحافظة على نسبة اعلى من المستعمرين اليهود في شرق فلسطين – الضفة الغربية) وستبدأ الضغوطات على الأردن اقتصاديا في المرحلة الأولى حتى ان يتحول الأردن تدريجيا الى الوطن “الفلسطيني” البديل.

رغم توقيع الأردن على اتفاقية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي المعروفة باسم “اتفاقية وادي عربة” في تشرين الأول ١٩٩٤ وتوقيعها لشراء الغاز من الاحتلال عام ٢٠١٦، والذي بدأ تفعيله في مطلع ٢٠٢٠، فللأردن بدائل للحصول على الغاز رغم الخسائر المالية التي يمكن ان تنجم عن ذلك والتي ممكن ان يتم تعويضها من جهات إقليمية أخرى.

تبقى المستعصية القديمة الحديثة الموروثة من فترة الإمبراطورية العثمانية، والتي ازدادت توترا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ما بين سوريا ولبنان والاردن وفلسطين، ومنذ النكبة اخذت طابع النزاع العسكري وذلك وبالأساس بسبب مخططات السيطرة الاسرائيلية على موارد المياه.  وبالرغم من ان الجزء المعنى فيه بالمياه تم تهميشه نسبيا في اتفاقية العربة، الا ان الاحتلال دأب على ان يكون المسيطر على موارد المياه مع الأردن كما انه لم ينفذ مشروع “البحرين” (ربط البحر الأحمر بالبحر الميت لتحلية المياه ولحصول الأردن على مياه إضافية) لكي يستمر بالضغط على الاردن. ورغم التلاعب بملف المياه والضغط على الأردن، فسيصعب على الاحتلال ‘تجفيف’ الأردن نظرا للمواثيق الدولية المتعلقة بتأمين منابع المياه وحقوق الانسان المتعلقة بالحصول على المياه وتأمين الصرف الصحي.

رغم التوتر ما بين الأردن والاحتلال الا ان الحديث لا يدور عن مواجهة عسكرية او نشوب حرب، وانما في حال نشوب توتر كبير، الغاء بعض الاتفاقيات (او أجزاء منها) والانسحاب من أي تعاون وتخفيض العلاقات الى أدني المستويات وعلى أصعدة متعددة. وفي سياق مخططات النهب فإنَّ الأردن قد يدخل الى حالة من عدم الاستقرار هدفها تغيير موازين القوة في المنطقة، وبالتحديد بعد ان حاولت قوى إقليمية وعالمية اضعاف الأردن ونفوذه وقد وصلت الى محاولات لتقويض نظام الحكم في الأردن والتي تتواصل لغاية اليوم بمحاولة سحب “الوصاية الهاشمية” عن الأماكن المقدسة في القدس المحتلة.

رغم قيام جهات عديدة في الاردن بالمطالبة بالإصلاح السياسي والمدني في الأردن ورغم المظاهرات التي انطلقت في العامين ٢٠١١-٢٠١٢ متأثرة بما حصل في بعض الدول العربية، الا ان القوى المؤثرة في الأردن – بما في ذلك الجهاز الحاكم وقطاعات واسعة من المجتمع – اقتنعت انه من الحكمة عدم المساهمة بالمساس في استقرار الأردن وانزلاقه الى ما حصل في دول عربية أخرى.  فرغم المطالبة برفع سقف الحقوق المدنية والحريات وتقسيم أفضل للمدخول المالي من الموارد الطبيعية وارتفاع الدين العام وتحديات أخرى، فمن الممكن ان يستعمل الأردن ‘ضعفه’ لتصعيد الازمة مع الاحتلال وافشال مخططات النهب وبالتالي الخروج بمكاسب محلية وإقليمية نظاما وشعبا ودولة.

وبما ان مخطط الاحتلال والحلقة الأخيرة المسماة بمخطط النهب تستهدف الأردن بجغرافيته وديمغرافيته ونظامه فلم يتبق أمام الأردن الا اتخاذ موقف رافض وبناء برنامج لمواجهة مخطط النهب وتبعاته على الأردن وفلسطين. وإن لم يفعل ذلك فسيكون قد خاطر بمستقبله في المدى المتوسط.

أوروبا: المصالح التجارية والعقد النفسية

يهدف هذا القسم الى فهم سياسات الاتحاد الأوروبي ومدى نفوذه فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإذا ما كان سيكون لهذا اللاعب الرئيسي تأثير حاسم ومصيري على الازمة الحالية. وهنا تجدر الإشارة الى إمكانية حدوث بعض الالتباس أحيانا عندما يتردد الاسم “أوروبا”.

وللتوضيح، يدور الحديث هنا عن “الاتحاد الأوروبي” والذي يتألف من ٢٧ دولة (كانت بريطانية الدولة ال ٢٨  إلا أنّها انسحبت في العام ٢٠٢٠) وليس عن القارة الأوروبية التي تشمل ٥٠ دولة والتي لا توحدها الا جغرافية القارة. فصحيح ان ثلاث من بين الدول الخمس الدائمة العضوية هي دول “أوروبية” الا انها تختلف في التوجهات السياسية والتبعية القطبية في عالم فارق “احادي القطبية” الامريكية، كما انه تعدى العالم “ثنائي القطبية” (المقصود مع روسيا الاتحادية) ليصبح عالما متعدد الأقطاب. فبينما تعتبر فرنسا وبريطانيا حليفتين لأمريكا في حلف شمال الاطلسي “الناتو”، تقف روسيا الأوروبية، بالمقابل، في رأس حلف معاكس (وإلى جانبها الصين). اما بريطانيا، ورغم علاقاتها المميزة مع أمريكا وبقية الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا الا ان قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي مع انتهاء المدة في نهاية عام ٢٠٢٠ دفعها للتفكير بمصالح اقتصادية منفردة قد تؤثر عليها وتجعلها تغرد خارج بيئتها الأوروبية المعتادة، ولربما بمعزل عن أمريكا والناتو، رغم ان ذلك سيتضح أكثر بعد خروجها النهائي من الاتحاد الأوروبي في نهاية ٢٠٢٠ وبعد معرفة من سيسكن في البيت الأبيض بعد انتخابات نوفمبر ٢٠٢٠.

“الاتحاد الأوروبي”: ليس جمعية خيرية ولكن؟

بالرغم من أنَّ الاتحاد الأوروبي لا يعمل كجمعية خيرية تجاه أحد، الا ان بلورة سياساته عموما مبنية على توازن مصالح ومبادئ مركبة، ويخضع (وذلك لالتزامهم بفكرة الاتحاد) لمباحثات مضنية بين اعضائه حول القضايا المتعددة التي تتفاعل مع سياساته الخارجية ومنها العالم العربي بمشرقه ومغربه، آخذا بعين الاعتبار أمنه الاقتصادي والاجتماعي الداخلي ومسائل تتعلق بالهجرة واللاجئين والاندماج المجتمعي والعنصرية. وبما ان القضية الفلسطينية كانت وما زالت تتفاعل في المحافل الدولية، وهي قضية مميزة لشعب مظلوم سليب منذ عقود، فقد كونت لها خيوطًا تؤثر على دوائر متعددة ومترابطة في أوروبا.

أوروبا: تاريخية الروابط مع فلسطين

تاريخيا، اخذت سياسات أوروبية جديدة تتبلور بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد، في خمسينيات القرن العشرين الذي شهد انتهاء الامبراطوريات الأوروبية الاستعمارية وانتهاء عدوان السويس (١٩٥٦) بخسارة أوروبية مدوية لصالح القومية العربية الممثلة بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر؛ والانطلاق الى عصر جديد تم تدشينه بتأسيس السوق الأوروبية المشتركة. كما صادفت نهاية الاستعمار العسكري الأوروبي في العالم وذلك في منتصف الستينيات، إلى جانب احتلال القسم الشرقي – الثاني من فلسطين عام ١٩٦٧، مما جعل الاتحاد الأوروبي، وذلك نتيجة ارثه الاستعماري، ان يبقى كلاعب في حوض الأبيض المتوسط.

وفي فترة تجاوزت خمس سنوات فقط، حاول الاتحاد الأوروبي، وذلك بعكس شريكه الأمريكي الأكبر في حلف شمال الأطلسي، تبني سياسة خارجية مختلفة (ليس هذا موضوع البحث هنا، لكن انظر معارضة فرنسا لاحتلال العراق على سبيل المثال) بالنسبة لحوض البحر الأبيض المتوسط، إذ انه ومنذ حرب اكتوبر- رمضان ١٩٧٣ صدرت عن السوق الأوروبية تصريحات متعددة اعترفت بالفلسطينيين كشعب وبضرورة نيله حقوقه بما فيه حق تقرير المصير وحقه في وطن مستقل له.

وعلى النهج نفسه، تم نسج العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، على وجه التحديد بعد عملية متشابكة أتت اول باكورة لها بعد الخطاب الشهير لياسر عرفات في الأمم المتحدة في نوفمبر ١٩٧٤، وبإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني و”بي” في فلسطين. كما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني ومنحها مكانة المراقب في الأمم المتحدة.

ونتيجة لضغط اللوبي الصهيوني على بعض العواصم الأوروبية فقد تم وضع العلاقات الفلسطينية-الاوروبية بداية كجزء من الحوار العربي عام ١٩٧٥.  وبينما كان الموقف الأوروبي الرسمي مساندا للقضية الفلسطينية في العقدين ما بين ١٩٧٥-١٩٩٥( أثناء تواجد قيادة الثورة الفلسطينية في لبنان وحتى مغادرتها الى تونس)، إذ صادف التأسيس الرسمي لما اصبح يسمى بـ “الاتحاد الأوروبي” عام ١٩٩٣، تمَّ توقيع  اتفاقية أوسلو (بشقيها) واتفاقية باريس الاقتصادية ما بين ١٩٩٣-١٩٩٥ حيث تم اتخاذ قرار في الاتحاد للعمل على تزايد التدخل المباشر ومشاركة الاتحاد الأوروبي (وذلك منذ العام ١٩٩٥) وتحول الاتحاد الأوروبي الى أحد أكبر مانحي المساعدات الخارجية للفلسطينيين بعد عودة القيادة من تونس الى فلسطين.

ابتكر الاتحاد الأوروبي عام ١٩٩٦منصب مندوب خاص الى الشرق الأوسط. وقد اقر وكرر الاتحاد الأوروبي فكرة ايمانه وموقفه المؤيد للدولة الفلسطينية في إعلان برلين في ٢٥ آذار ١٩٩٩، إذ جاء ما يلي: “ويعيد الاتحاد الأوروبي التأكيد على الحق الفلسطيني المستمر وغير المشروط في تقرير المصير بما في ذلك خيار الدولة ويتطلع إلى التطبيق المبكر لهذا الحق.”

 ولدعم ذلك فقد زاد الاتحاد الأوروبي من المساعدات المالية الكبيرة للسلطة الفلسطينية وذلك لإيمانه، او هكذا أعلن، في بلورة مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة؛ مما جعله لاعبا رئيسيا وركيزة في “مائدة الرباعية” حيث أصبح الاتحاد عضوا في “اللجنة الرباعية” (كوارتيت) والتي تأسست عام ٢٠٠٢ أثناء الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في أيلول ٢٠٠٠ الى جانب الأمم المتحدة وروسيا الاتحادية والولايات المتحدة.

تطور موقف الاتحاد الأوروبي بشكل تدريجي ومتصاعد، واستنادا لمجهود كبير من كلا الطرفين ولمدة عقود. فقد أعلنت دولا أوروبية اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية عندما كانت توصف بالحركة الإرهابية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها ولغاية اعتراف البعض بدولة فلسطين بشكل انفرادي قبل انضمام تلك الدول لعضوية الاتحاد الأوروبي كما وأخذت تتبادل البعثات الدبلوماسية. ويوجد اليوم بين م. ت. ف والاتحاد الأوروبي تبادل بعثات في بروكسيل ورام الله  وممثليات فلسطينية أحيانا بدرجة بعثة وأحيانا سفارة في دول الاتحاد الأوروبي المتعددة.

وكان الاتحاد مميَّزا عن بقية اللاعبين الدوليين عندما دعا منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا (وذلك في عام ٢٠٠٩) الأمم المتحدة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في موعد نهائي محدد حتى لو لم يتم التوصل إلى تسوية، إذ قال: “يجب على الوسيط تحديد الجدول الزمني. إذا لم يتمكن الطرفان من الالتزام بذلك، يجب طرح حل مدعوم من المجتمع الدولي على الطاولة، وبعد مهلة محددة، فإن قرار مجلس الأمن الدولي … سيقبل الدولة الفلسطينية كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، ويضع تقويمًا للتنفيذ “. لم تتكلل هذه المبادرة بالنجاح الفوري ولكنها تطورت جزئيا فيما بعد وسنرى ذلك.

في كانون الأول ٢٠٠٩، كان قد صادق مجلس الاتحاد الأوروبي على مجموعة من الاستنتاجات بشأن “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني” الذي يشكل أساس السياسة الحالية للاتحاد الأوروبي. وأكد الاتحاد مجددا هدف حل الدولتين وشدد على أن الاتحاد “لن يعترف بأي تغييرات على حدود ما قبل عام ١٩٦٧، بما في ذلك القدس، بخلاف تلك التي اتفق عليها الطرفان”. وذكّر المجلس بأن الاتحاد الأوروبي “يعترف فقط بضم القدس الشرقية”. وقد كان الموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي بالنسبة للقضية الفلسطينية مبنيا على ان احتلال القسم الشرقي من فلسطين لاغ وباطل وغير قانوني، كما ان الاتحاد الأوروبي تبنى، كخط سياسي رسمي، حل الدولتين ولذلك فلن يقبل بأية تغييرات يحدثها الاحتلال على الأرض، بما في ذلك مكانة القدس المحتلة وإقامة المستوطنات وحقوق الانسان والخ.

بعد ذلك بعام، في ديسمبر ٢٠١٠، كرر المجلس هذه الاستنتاجات وأعلن استعداده، عند الاقتضاء، للاعتراف بدولة فلسطينية، لكنه شجع على العودة للمفاوضات.  وعندما تم التصويت على رفع عضوية فلسطين من صفة “مراقب” إلى “دولة بصفة مراقب غير عضو” في الامم المتحدة (في قرار رقم ١٩٦٧)، انقسمت دول الاتحاد الأوروبي في عملية التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر ٢٠١٢ (كانت النتيجة العامة ١٣٨ لصالح الاقتراح و٤١ امتناع و٩ معارضة و٥ غياب. الا ان الدول الـ ٢٨ الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تصوت بشكل مماثل إذ صوتت ١٤ دولة عضو مع الاقتراح وامتنعت ١٣ دولة وصوتت الجمهورية التشيكية ضد الاقتراح.

وحتى وإن تعوّد الاتحاد الأوروبي على اصدار مواقفه بالاتفاق بين اعضائه الا ان هذا لا يعبر عن انسجام كامل في المواقف لجميع الدول. فبينما تتبنى بعض الدول مواقف مهادنة للاحتلال بغرض عدم التصعيد، نرى ان دولا أخرى، على سبيل المثال ايرلندا ولوكسمبورغ وفرنسا وبلجيكا، ترى ان مخططات ترامب ونتنياهو تؤدي الى تفكيك حلم الدولتين وانه حان الوقت للنظر في الاعتراف بفلسطين كدوله. وكانت لغاية الان قد اعترفت تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بفلسطين كدولة كانت أولها السويد عام ٢٠١٤.

وفي تطور رمزي آخر لموقف الاتحاد الأوروبي وانعكاسا للموقف الشعبي المناصر للقضية الفلسطينية في اوروبا، فقد صوت البرلمان الأوروبي في ديسمبر ٢٠١٤ لصالح قرار غير ملزم يدعو إلى الاعتراف بدولة فلسطينية كجزء من حل الدولتين وذلك بأغلبية ٤٩٨ صوتًا مقابل ٨٨ صوتا معارضًا وامتناع ١١١ عن التصويت. ورغم عدم كونها الزامية الا ان عملية التصويت في البرلمان الأوروبي جاءت كعملية برلمانية تراكمية اضفت شرعية في الفضاء السياسي العام على القضية الفلسطينية إذ قامت بعدها عدة برلمانات اوروبية بما في ذلك فرنسا، البرتغال، إسبانيا، إيطاليا، اليونان، لوكسمبورغ، أيرلندا والمملكة المتحدة بالتصويت بغالبية الاعضاء تأييدا لإقامة دولة فلسطينية مطالبة حكوماتها بإطلاق الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.

“الاتحاد الأوروبي” والولايات المتحدة

ازداد التوتر وأحيانا تعالت أمواج الغضب في المحيط الأطلسي، منذ دخول ترامب الى البيت الأبيض، ما بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية. فقد خرج ترامب من الاتفاق النووي الذي عمل عليه باراك أوباما مع الاتحاد الاوروبي مع إيران والذي كان قد تكلل بالنجاح. كما خرج من اتفاقية المناخ وانتقد الناتو الى درجة ان المانيا وفرنسا اخذتا بالإعداد لإقامة جيش بديل، إضافة الى خلافات تجارية متزايدة بين الطرفين. كانت احدى النقاط الخلافية الرئيسية التي خرجت الى العلن وبشدة في السياسة الخارجية ما بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والاتحاد الأوروبي متعلقة بالمواقف المغايرة من القضية الفلسطينية  والتي اخذت بوجود ترامب منحى لم يسبق له مثيل (إذ قطعت السلطة الفلسطينية علاقاتها مع ترامب منذ كانون الأول ٢٠١٧)، وذلك ابتداء من اعتراف البيت الأبيض بضم القدس المحتلة الى “إسرائيل”، وبنقل السفارة الأمريكية من تل-ابيب الى القدس المحتلة، ووقف الدعم الأمريكي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى (الاونروا)، واقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وإصدار وثيقة ‘صفقة القرن’ التي تمهد أيضا لضم الاحتلال لثلث أراضي الضفة الغربية المحتلة “لدولة اسرائيل” والتي تنسف إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية وقد تعيد الكفاح الفلسطيني الى زاوية مجهولة.

رغم انه كانت لأوروبا كل الفرص لإعلان الطلاق من أمريكا خلال رئاسة ترامب فيما يتعلق بفلسطين قولا وفعلا، الا انها ما زالت تحاول دائبة حتى الاشهر الأخيرة، قبل الانتخابات الرئاسية القادمة في أمريكا في نوفمبر ٢٠٢٠، بأن تحظى بود البيت الأبيض عبر التأثير على وزير الخارجية بومبيو. فللاتحاد الأوروبي مؤسسات (سياسية واقتصادية) ما زالت عاملة وفاعلة كما انها تخضع لحسابات داخلية ولذلك فهي ما زالت، حتى اليوم (حزيران ٢٠٢٠)، تحاول ان تدير الازمة التي اخترعها الثنائي ترامب ونتنياهو والتي حولت الوضع الذي سببته مواقفهما السلبية من القضية الفلسطينية من “سيء الى أسوأ”. ولذلك يحاول الاتحاد الأوروبي احتواء ازمة مخطط النهب (لإخراج الحلو من المر) واستغلال “الزخم” (وإن كان سلبيا) الذي اشعله إشهار وثيقة ‘صفقة القرن’ للتأثير على واشنطن بالشروع سوية بتجديد الحوارالمفاوضات عبر عملية سلام دولية واسعة لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وبمشاركة دولية. واستهدف الحوار ما بين وزراء الخارجية الأوروبيين، الذين حذّروا وزير الخارجية الامريكية مايك بومبيو من عواقب الإعلان او تنفيذ مخطط النهب البنيميني (نسبة لنتنياهو واليمين)، الامتناع عن التصعيد والالتصاق بـ “تشجيع” الأطراف على الانخراط بعملية مثمرة. الا ان الفجوة تبقى شاسعة بين من يريد اتهام (نتنياهو) او الاستمرار باتهام فلسطين (ترامب) ومن بين يريد حل الدولتين (الاتحاد الاوروبي).

 قد يكون الهدف القصير الأمد للاتحاد الأوروبي اقناع پومپيو بالضغط على نتنياهو بعدم القدوم على خطوته وبالتالي كسب الوقت والانتظار لغاية اعلان نتائج الانتخابات الامريكية لعل المرشح الديمقراطي بايدن يفوز ويغير المعادلة.  وفي حال تحقّق ذلك، يكونون قد نجحوا فيما يسمى “تمرين الحد من الضرر”. وقد يكون هذا احد الأسباب التي منعت المانيا من إحداث ازمة دبلوماسية مع الاحتلال الذي منع وزير الخارجية الألماني هايكو ماس من الوصول الى رام الله والالتقاء مع المسؤولين الفلسطينيين يوم ١٠ حزيران ٢٠٢٠ واكتفت بلقاء افتراضي عبر الانترنت مع الجانب الفلسطيني.

الاتحاد الأوروبي: العلاقات التجارية وإمكانية التأثير؟

 إنَّ الدعم الأوروبي للشعب الفلسطيني يجب الا يفهم، بأي شكل من الاشكال، وكأنه تنازل عن العلاقات “الأوروبية الإسرائيلية” بل على العكس؛ فهناك مسيرة طويلة تطورت فيها العلاقات بين الطرفين منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي. كما وتم عقد اتفاقية مميزة ما بين الطرفين الأوروبي والاسرائيلي في العام ٢٠٠٠، وبموجبها تحوّلت “دولة إسرائيل” لدولة “ملحقة” للاتحاد الأوروبي مع مزايا كبيرة في كل المجالات.

يشار الى ان الاتحاد الأوروبي هو أكبر كتلة تجارية في العالم ويتكون (حتى خروج بريطانيا كليا في نهاية ٢٠٢٠ من الاتحاد الاوروبي) من ٢٨ دولة وحوالي ٥١٠ مليون مستهلك. بطبيعة الحال، الاتحاد الأوروبي شريك تجاري رئيسي لإسرائيل. ففي عام ٢٠١٦، كان الاتحاد الأوروبي المصدر الرئيسي لواردات البضائع إلى إسرائيل: حوالي ٤١ بالمائة من الواردات كانت من الاتحاد الأوروبي، أي أكثر من آسيا (حوالي ٢٦ بالمائة) والولايات المتحدة (حوالي ١٢٪) معًا. كما وكان التصدير من إسرائيل الى الاتحاد الاوروبي حوالي ٢٦٪، وقد احتلت بهذا المكان الثاني، إذ سبقتها الولايات المتحدة الامريكية بنسبة ٢٩ بالمائة.

 إنَّ الدعم الكبير (الغير رسمي) الذي تلقاه القضية الفلسطينية في الرأي العام الأوروبي، إضافة الى حملات الاحتجاج والمقاطعة، دفعا الاتحاد الأوروبي بإقصاء منتوجات المستوطنات من الاتفاقيات التجارية وعدم الحصول على المزايا الواردة في الاتفاقية مع الاحتلال.

وهنا يجب التذكير انه يتم متابعة وملاحقة علاقات الاتحاد الأوروبي بفلسطين من قبل الاحتلال الإسرائيلي بشكل دائم وهو الذي يحاول دوما احباط الدور الفلسطيني لصالحه كما انه يخطط دوما الى إحداث اختراقات في الاتحاد الأوروبي.

ففي تقييم قامت بتأليفه مجموعة من الخبراء الإسرائيليين، وتم نشره في صحيفة “هآرتس” يوم ٢٩ أيار ٢٠١٩، فيما يتعلق بالعلاقات الأوروبية-الإسرائيلية وردت عدة توصيات كانت احداها انه على “إسرائيل”: “الاستخدام الذكي والحساس للانقسام الداخلي في الاتحاد الأوروبي: لإسرائيل في بعض الأحيان مصلحة في استخدام التجزئة الداخلية الأوروبية لصالحها. في الوقت نفسه، في هذه العملية، يجب على المرء التصرف بحذر، مع الحرص على عدم المساس بالفكرة الأساسية للاتحاد الأوروبي وتجنب أي خطوات لإضعافها. إن استخدام التحالف مع قبرص واليونان، على سبيل المثال، للتأثير على عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، هو أقل تهديدًا للاتحاد الأوروبي وأكثر قابلية للفهم من الشراكة مع الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية – مثل رئيس الوزراء المجري أوربان – الذين يعملون لإضعاف الاتحاد الأوروبي. وهو أيضا مسار عمل أكثر صحة لإسرائيل من حيث القيمة”.

عذاب المصالح و “التمزق الاخلاقي”؟

 من خلال مراقبة التحركات والقرارات الأوروبية المتعلقة بفلسطين والممارسات على الأرض، من الممكن التوصل الى الاعتقاد بأن الاتحاد الأوروبي يسعى لقطف ثمار استثماراته في تحسين ظروف حياة الشعب الفلسطيني ومرافقته في مسيرة بناء الدولة وحتى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧. تضع انتهاكات الاحتلال وتصريحات نتنياهو حول مخططات ونوايا ضم ثلث أراضي الضفة الغربية المحتلة، “الاتحاد الأوربي”، في أصعب امتحان منذ احتلال القسم الشرقي – الثاني من فلسطين قبل ٥٣ عاما، إذا ما قارنا الاتحاد الاوروبي مع بقية مركبات المجتمع الدولي. حتى ان رئيس حكومة بريطانيا بوريس جونسون اضطر للتصريح في البرلمان البريطاني يوم ١٧ حزيران ٢٠٢٠ عن موقف متقدم نسبيا في دولة، يحظى اللوبي الصهيوني فيها بتأثير كبير في أروقة اتخاذ القرارات، إذ قال: “أعتقد أن ما تقترحه إسرائيل سيكون بمثابة انتهاك للقانون الدولي. لقد اعترضنا بشدة. نحن نؤمن إيمانا عميقا بحل الدولتين وسنواصل تقديم هذه القضية “.

الا ان زيارة وزير الخارجية الألماني لم تكن أكثر تعقيدا نسبة لماضي المانيا الذي تستمر الحركة الصهيونية باستغلاله لغاية اليوم على اصعدة لا علاقة لها باليهود في أوروبا وانما لتسخيره في خدمة جرائم الاحتلال. ففي زيارته الى فلسطين، حمل وزير الخارجية الألماني هايكو ماس رسالة للاحتلال كانت عبارة عن ‘نصيحة صديق’ الى حكومة نتنياهو إذ ابلغه ان بعض الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي (وليس هو او دولته المانيا) تستعد للرد بشكل حازم قد يتمخض في فرض عقوبات اقتصادية واعلان دول إضافية (زيادة على التسع دول التي أعربت عن اعترافها في الماضي) اعترافها بالدولة الفلسطينية. لحق ذلك يوم ٢٣ حزيران ٢٠٢٠ رسالة موقعة من قبل ١٠٨٠ مشرع أوروبي من ٢٥ دولة عبروا فيها عن رفضهم لمخطط النهب داعين الاحتلال الى التراجع عن فكرة النهب.

لكن الخطاب ما زال وديا ولم يرتقي الى لغة التهديد بالعقوبات والمقاطعة كما هو في حالات أخرى (ايران، سوريا وكوريا الشمالية والخ). فإذا ما استمر الاتحاد الأوروبي وخاصة دول مثل المانيا والنمسا والمجر، في معارضة مقترحات قرارات لمعاقبة الاحتلال على انتهاكاته وجرائمه، فليس فقط ان سمعة وصورة ومصداقية الاتحاد الاوروبي ستكون على المحك وانما قد يسبب ذلك في ظروف معينة إلى حدوث اعمال غير سلمية على أراضيها (كما حدث في الماضي في عواصم غربية) ويدعي المنفذون ان هذا بسبب الموقف الاوروبي من فلسطين.

إذا ما زاوجنا الخطاب الأوروبي بالدعم المالي للسلطة الفلسطينية فقد نستنتج الى ان الاتحاد الأوروبي استثمر وعلى جميع الأصعدة (وهو يعد من أكبر المانحين) أكثر من غيره لأجل تحقيق هدف بناء الدولة الفلسطينية. الا ان الاستمرار بتقديم الدعم المالي للطرف الفلسطيني المصحوب بإطلاق البيانات السياسية الرسمية والتصريحات الإعلامية فقط – وإن كانت داعمة للحق الفلسطيني عموما ومبنية على القانون الدولي المرحب به فلسطينيا وذلك لمدة اجتازت الربع قرن وبدون حسم واضح لا لبس فيه، قد يُفسَّر على انه نوع من أنواع الحفاظ على الوضع القائم (الستاتوس كوّوُ) والذي هو بالأحرى ليس وضعا قائما جامدا وانما متحركا لصالح الاحتلال وانتهاكاته ونهبه للأرض ولمواردها الطبيعية، لا بل حاجزا امام تأسيس دولة فلسطينية في القسم المحتل عام ١٩٦٧ (والذي يعد حلا مقبولا على بعض الفصائل الفلسطينية ومرفوضا من أخرى).  بكلمات أخرى، سيكون الاتحاد الأوروبي قد أصبح (عن قصد او غير قصد) شريكا بإدارة الصراع بدلا من حله وذلك بواسطة سياسة المماطلة ودفع الأموال لإسكات السلطة الفلسطينية عن مشروع إقامة الدولة ولجمها عن التصعيد.

حتى ولو تم وضع ميزان الربح والخسارة التجاري فيما يتعلق بفلسطين جانبا وافترضنا ان قرارات الاتحاد الاوروبي هي عبارة عن عملية مد وجزر داخلية بين الدول الأعضاء وتراضي في نهاية الامر، الا انه أحيانا عندما يتم انتداب وزير خارجية الماني (او آخر لديه ضعف مشابه) للقاء سلطات الاحتلال حول الحق الفلسطيني وانتهاكات الاحتلال وجرائمه، فلا تخضع الامور عندها للقانون الدولي ولإيمانهم بالحق الفلسطيني فقط، وانما يدخل عاملا لا شأن فيه بفلسطين وإنما هو بمثابة خصوصية الشعور بالذنب الألماني او الأوروبي، لما تم اقترافه ضد يهود أوروبا بالتحديد وبتسخيره وبغير حق ليكون عاملا ينتقص من الحق الفلسطيني وذلك نتيجة الندم الالماني او الأوروبي. فقط دول او شخصيات تكون مقتنعة على ان المانيا قد ندمت وتابت وكفرت عن ذنوبها بدفع التعويضات اللامتناهية أحيانا نتيجة ابتزاز بعض الصهاينة للألم اليهودي في الماضي، في أوروبا والعالم (انظر كتاب نورمان فينكيلشتاين “صناعة المحرقة” – هولوكوست إنداستري – عام ٢٠٠٣)، سيكون بالإمكان التقدم وبشجاعة لكي تبدأ أوروبا بجني الثمار من استثماراتها في الحق الفلسطيني. فعدم فعل ذلك والسماح للحركة الصهيونية بتسمية الدفاع عن الحق الفلسطيني باللاسامية يكون إضافة الذنب الفلسطيني الجديد على ذنب قديم على المائدة الألمانية واشباهها، لا بل مساعدة الضحية القديمة على الاستمرار بقتل الضحية الجديدة.

قد يكون بالإمكان، في حالة نشوب ازمة جادة ما بين الاتحاد الأوروبي والاحتلال، التنازل على نسبة كبيرة من التبادل التجاري للسلع او الخدمات والذي قد لا يؤثر كثيرا على الطرفين وذلك لتوفر اسواق بديلة. الا انه سيؤثر على الاحتلال بالتأكيد وقد يجعله يغير مسار تفكيره، منه على سبيل المثال ان يتم اخراج الاحتلال من برنامج “هورايزون: ٢٠٢٠” الذي وصلت ميزانيته ما بين ٢٠١٤-٢٠٢٠ على ثمانين مليار يورو حصل منها ١٠٦٢ مشروع اسرائيلي على مئات ملايين من اليورو والتي يقدمها الاتحاد الأوروبي، إذ اقتربت ميزانية “المشاريع الإسرائيلية” من المليار يورو سنويا.  الا ان الابعاد الربحية من مشاركة الاحتلال في هذا المشروع العالمي الثامن والاضخم في الاتحاد الأوروبي تكمن في تقديم برنامج التمويل لتمكين المزيد من الابتكارات والمزيد من الاكتشافات العلمية، وأن يكون في طليعة العالم من خلال نقل الأفكار الكبيرة من المختبر – إلى السوق. لطالما لم يقم الاتحاد الأوروبي بتحويل هذه “الجزرة” إلى “عصا” (والتي قد تؤثر لكن غير مؤكد) فليس فقط انه لن يستطيع التأثير سلميا على قرارات الاحتلال في النهب وانتهاك الحق الفلسطيني والسعي لإقامة دولة فلسطينية، لا بل انه سيُعَدُّ شريكا ولو بشكل غير مباشر في جرائم الاحتلال وصيانة وجوده القمعي.

قانون الغاب والقانون الدولي

في الحوار الإذاعي الذي أجري مع رئيس “الشاباك” السابق يورام كوهِن (يوم ٢ حزيران ٢٠٢٠) والذي اشرتُ اليه في القسم الأول، كان أحد الأسئلة كما يلي وبالحرف الواحد:

“هل في نهاية الامر…هذه الأراضي.. هل ستغير هذه الخطوة أي شيء من ناحيتنا؟ بالنسبة لنا، فيما يتعلق بالمستوطنين، المستوطنات في يهودا والسامرة التي من المفترض أن يتم ضمها إلى إسرائيل؟ … ألا يدور الحديث هنا في نهاية الأمر عن مستوطنات إسرائيلية ومواطنين إسرائيليين، أليسوا جزءًا من دولة إسرائيل … هل هذا سيغير شيئا حقًا؟ إجابة: نعم هامة… لكن في رأيي ليس كثيرًا … على الرغم من أنه يبدو محيرًا ما أقوله … إذا ما اخذنا بعين الاعتبار المخاطر”.

استرسل كوهِن خلال اجابته في عدة مجالات الا انه ورغم اجابته بـ “ليس كثيرا” لم يفصح على الأقل إذا ما كان ذلك مرتبطا بأية مسألة قانونية. ومن المعلوم انه ينطوي على أية خطوة قد تتخذها إدارة الاحتلال المعنى “القانوني” لتلك الخطوة من حيث القانون الدولي من جهة، وما قام الاحتلال بتسميته “أنظمة” او “قوانين” او “أوامر”، وذلك بعد استعماله قوة السلاح وفرض سيطرته بالقوة كاحتلال على الارض والشعب.

من خلال متابعة استهداف الاحتلال للقسم الشرقي من فلسطين (الضفة الغربية المحتلة)، والذي احتل عام ١٩٦٧، يمكننا رصد السياق السياسي الحزبي والبدايات التدريجية الإجرائية لمخطط النهب في الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن والذي اتخذه مركزمؤتمر حزب الليكود اليميني بقيادة نتنياهو في ديسمبر كانون الأول ٢٠١٧ (عشرة أشهر بعد ان أعلن الادعاء العام عن نيته بفتح تحقيق بقضايا الفساد المتعلقة بنتنياهو) إذ جاء في قرار مركز الليكود ما يلي:

 “في ذكرى تحرير مناطق يهودا والسامرة وبما فيها – القدس، عاصمتنا الأبدية، يدعو مركز الليكود أعضاء الليكود العمل من اجل السماح بالبناء الحر ولأجل فرض القوانين و”السيادة” الإسرائيلية على جميع المناطق المحررة في يهودا والسامرة”.

وقد تم الانتقال النوعي من قرار مؤتمر حزب الليكود، الذي لم يلزم حكومة نتنياهو آنذاك نحو مسار رسمي، عندما لحق قرار الليكود تقديم “مشروع قانون “السيادة” الإسرائيلية على يهودا والسامرة” للكنيست في ديسمبر ٢٠١٩، أي بعد عامين من قرار مركز الليكود، وقبل اقل من شهرين على اشهار دونالد ترامب لـ ‘صفقة القرن’ في ٢٨ يناير ٢٠٢٠. إذ قدّمت المشروع عضو الكنيست أييليت شاكيد، والتي عملت في السابق كمديرة لديوان زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو (آنذاك) بين ٢٠٠٦ و٢٠٠٩،  وقد عيّنها بعد عامين من انتخابها في إطار قائمة الليكود في الكنيست عام ٢٠١٣ كوزيرة للعدل (رغم عدم توفر خلفية ملائمة لديها لهذا المنصب على الاطلاق). وقد أشغلت هذا المنصب بين الأعوام ٢٠١٥ ولغاية حزيران ٢٠١٩ إذ تركت الليكود لتشكيل كتلة يمينية متطرفة مع نفتالي بينيت.

بالرغم من أنَّ نتنياهو قد وعد في حملته الانتخابية للكنيست الـ ٢٢، والتي أقيمت في أيلول ٢٠١٩، تقديم مشروع القرار النهب، إلا أنَّ شاكيد، قامت بعد انفصالها من الليكود وانتخابها للكنيست الـ ٢٢ مع اليميني المتطرف نفتالي بينيت  بتقديم “مشروع قانون” وذلك في نوفمبر ٢٠١٩؛ تلاه  تقديم المستندات الى رئاسة الكنيست يوم ٩ ديسمبر ٢٠١٩.

بعد انتخابات الكنيست الـ ٢٣ والتي جرت في مطلع آذار ٢٠٢٠ (وتمخضت عن تشكيل حكومة نتنياهو – غانتس في ١٧ أيار ٢٠٢٠) قامت شاكيد (إذ وجدت نفسها خارج الليكود والإتلاف الحكومي الذي لم يشملها نتنياهو في حكومته الجديدة) وبصحبة عضوين آخرين ( اوفير سوفير ومتان كاهانا) يوم ١١ أيار ٢٠٢٠ ، بتجديد تقديم “مشروع قانون” فرض “السيادة” (الضم) الى الكنيست وذلك للتداول المبكر،  إلا انه لم يتحدد،  حتى كتابة هذه السطور، موعد المداولات في اللجنة المختصة في الكنيست.

 بينما تحمل الخطوة الأولى (مركز الليكود) برنامجا حزبيا ذي معان سياسية (الا انها غير ملزمة للحكومة)، تحمل الخطوة الثانية (مشروع شاكيد) معان “تشريعية” وفقا “للقوانين الاسرائيلية”. ففي كلتي الحالتين (مركز الليكود و”مشروع قانون”) (وبما ان التداول محلي ليس متعلقا بالعلاقات الخارجية مع العالم) تم استعمال مصطلح ““السيادة”” وليس “الضم” او “فرض القانون الإسرائيلي”. مقابل هذه المصطلحات الثلاثة توجد ثلاثة أنواع مختلفة من تنفيذ (والاعلان عن) الإجراءات امام الاحتلال:

١) بواسطة قرار حكومي، ٢) بواسطة قرار الكنيست و٣) بواسطة مسار التشريعات في الكنيست.

وفقا لمنظومة الاحتلال، فبينما تقوم الكنيست، كسلطة تشريعية، باتخاذ الترتيبات “القانونية” المطلوبة لتطبيق “قوانين الدولة” على الأراضي المحتلة التي تريد ضمها الى سيادتها، فإن المطالبة ب”السيادة” يتم بواسطة الحكومة، السلطة التنفيذية، بصفتها الجناح المسؤول عن العلاقات الخارجية (مع العالم).

يدير الاحتلال القسم الشرقي من فلسطين والذي احتله عام ١٩٦٧ من قبل حكم عسكري وذلك وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. الا ان الفجوة من حيث “القواعد القانونية” المطبقة على المستوطنين في الأراضي المحتلة و”إسرائيل” (وذلك لكونهم مواطنين إسرائيليين) ليست كبيرة.

إذ تنطبق بعض “قوانين الدولة الإسرائيلية” على المواطنين الإسرائيليين شخصيا (وليس وفقا للأرض او الإقليم). لذلك، فبعض “قوانين الدولة” تُطبق بشكل غير مباشر على المستعمرات من خلال “تشريعات” خاصة من قبل السلطات العسكرية، والتي “ترجمت” إلى لغة القانون العسكري المطبق في المنطقة (الأراضي المحتلة)، العديد من الأحكام مستمدة من القانون الإسرائيلي. وبما ان المصدر واحد (أي الاحتلال)، فتوجد قرابة وثيقة ما بين “الإطار القانوني” من جهة و “الإداري” المطبق على المستوطنين (وهم حملة الجنسية الإسرائيلية) من جهة اخرى.

لذلك، وبسبب الفوارق “القانونية” البسيطة بين الوضع القائم في الضفة الغربية المحتلة وفي حالة تطبيق النهب، فلن يؤثر الامر بنسبة كبيرة على المستوطنين سكان المستعمرات في الأراضي المحتلة.

ومن هنا، عدم الاكتفاء بوضع الاحتلال القائم والشامل والذي “ينظم” حياة المستعمرين والفلسطينيين تحت الاحتلال (وذلك لان فرض “القانون الإسرائيلي” هو عبارة عن فرض خطوة سيادية بالأساس) والإقدام على خطوة جديدة لفرض “السيادة” (وعدم الاكتفاء بالنهب الهادئ والوضع القائم) بواسطة “القانون الإسرائيلي”، هو عبارة عن تحول الى “ضم صاخب” إعلاميا (نهب علني) ولذلك يعتبر خطوة موجهه بالأساس الى المجتمع الدولي كما انه يهدف الى اقحام (ومحاولة الحصول على شرعية) القانون الدولي رغم ان هذا مستبعد جدا كما سنرى ادناه. يشار الى ان الفرق بين العمليتين هو في مضمون رسالتين سياسيتين مختلفتين:

البقاء على “الوضع الحالي” يقدّم رسالة سياسية الى العالم والفلسطينيين على ان الاحتلال سيكون على استعداد للتفاوض حول مستقبل الأراضي المحتلة، بينما عملية التشريع في الكنيست، وإمكانية اعلان الحكومة عن فرض “السيادة” ستكون رسالة بأن مستقبل ومصير الأراضي المحتلة قد تم حسمه ليصبح جزءا من دولة الاحتلال.

فوضع الضفة الغربية المحتلة منذ ٥٣ عاما (وفقا لتفسير الاحتلال) يختلف “قانونيا” عن حالتي القدس والجولان المحتلين. فقد قام الاحتلال بعد عام ١٩٦٧ بفرض القانون والحكم الإداري الإسرائيليين على القدس الشرقية المحتلة وذلك بواسطة امر حكومي شمل احياء جديدة. في عام ١٩٨٠ قام الاحتلال بدعوة الكنيست للإعلان بواسطة “قانون أساس” ان “القدس الكاملة والموحدة عاصمة إسرائيل”. اما فيما يتعلق بالجولان السوري المحتل فقد فرض الاحتلال القانون والحكم الإداري الإسرائيلي على الجولان.  في حين أن الاوامر والقوانين (التي تم فرضها على القدس الشرقية والجولان) لا تستخدم بصريح العبارة مصطلح ““السيادة”” – الا انه يبدو من الواضح وجود “الرؤية” بأن الأراضي المشار اليها “قانونيا” تخضع للسيادة الإسرائيلية.  وأنه بموجب هذه “الحقيقة القانونية”، يُسمح لإسرائيل بالتصرف بالأرض كصاحبة سيادة وتقوم بتطبيق قوانينها. هذه المسارات جعلت بعض الأكاديميين يدعون ان إسرائيل لم تفرض “السيادة” ابدا على القدس الشرقية ولا على الجولان، كما أثارت هذه المدرسة لفكرية الادعاء بأن تطبيق القانون الإسرائيلي على الجولان السوري المحتل لا يغلق الباب أمام عودته إلى سوريا في حالة تم التوصل الى اتفاق سلام (على الرغم من أن القانون الأساس “استفتاء”: يتطلب أغلبية ٨٠ عضوًا في الكنيست (من أصل ١٢٠) أو اجراء استفتاء شعبي لإقرار التنازل عن أراضي ذات سيادة). هذا قد يفسر ان الاحتلال ما زال بحاجة للبحث عن اعتراف عالمي (وهو غير متوفر لغاية الان) على غرار اعتراف ترامب بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فقد وقع ترامب يوم ٢٥ آذار ٢٠١٩ على وثيقة يعترف بها بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

اما بالنسبة للآلية الداخلية والتي تستند على اتفاقية الائتلاف ما بين الليكود و “كحول  – لافان” (أزرق – ابيض) برئاسة بنيامين غانتس، فان الاتفاقية  تحدد إجراءات الموافقة على مبادرات “السيادة” بالتفصيل (وليس الموافقة مسبقا).  ومع ذلك، فإن الاتفاقية لا تتطلب موافقة الكنيست، وفقا لتصريحات الوزير عمير بيريتس. ينص الاتفاق على أنه يمكن لرئيس الوزراء تقديم اقتراحه من خلال التشريعات في الكنيست (تشريعات وليس قرار) إذا رغب في ذلك استنادا على مشروع شاكيد؛ لكن هذا الطريق يعفيه من الحصول على موافقة الحكومة. وانه فقط الليكود يحتفظ بالحق في استخدام هذه الآليةالتشريعية، في حين أن بقية الحكومة ممنوعة من القيام بذلك.

من وجهة نظر القانون الدولي لا يوجد اختلاف حيث تعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس ارضا محتلة حسب قرارات مجلس الامن، وحتى في اتفاقيتي اوسلو فقد تم استئخار البحث فيها بالوضع النهائي.

إذًا، فمن حيث “القوانين الإسرائيلية” (والمستعمرات والمستوطنين) فالإعلان عن فرض “السيادة” لا يقدم ولا يؤخر كثيرا، وما هو الا خطوة إعلانية “توعوية” للعالم الخارجي على انه من اليوم وصاعدا تغير الوضع و”أننا قررنا ان هذه الأرض لنا وهي جزء من دولتنا”. سياسيا، فإن قرار النهب و “فرض “السيادة”” سيقول للشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال (في كل مكان) وللعرب والعالم بان الاحتلال غير معني بالإقدام على اية تسوية سياسية (ولا حتى في الضفة الغربية) وانه نبذ وبدون رجعة حل الدولتين.

الأمم المتحدة: “إنهاء الإفلات من العقاب”؟

منذ ان اخذت “الشرعية الدولية” الممثلة بالأمم المتحدة في فرض تفسيرها للوضع القانوني لفلسطين والمروج والمعد له سياسيا بالأساس وبالتحديد منذ ان شكل قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم

(١٨١) في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين الى دولتين، صدر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة وعن مجلس الأمن أكثر من ٣٠٠ قرار يتعلق بفلسطين و “الصراع العربي الإسرائيلي”. من أهمها قرار عوده اللاجئين رقم ١٩٤ لعام ١٩٤٨ وقرار ٢٤٢ للعام ١٩٦٧ وقرار ٣٣٨ للعام ١٩٧٣. وفقا لهذه القرارات ولقرارات أخرى فإن أي خطوة من طرف الاحتلال (وبدون موافقة الطرف الفلسطيني) ستكون مخالفة للشرعية الدولية.  هذا إضافة الى “اتفاقية جنيف الرابعة” ( ١٩٤٩) ومخالفات محتملة او من المرتقب ان ينفذها الاحتلال فيما يتعلق بالحصول على الأرض بالقوة ورحيل السكان (الأصليين الفلسطينيين) بالقوة. كما ان هذه الخطوة تقع في إطار “جرائم الحرب” التي هي من اختصاص محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

تتسم استراتيجية نتنياهو بكل ما يتعلق بالمحافل الدولية، سياسية كانت ام قانونيه، بواحد من نهجين: النهج الأول هو “هجومي” إعلامي، وهو للحالات التي تنتقده وسياسات الاحتلال وتشير او تهدد بفرض عقوبات او مقاطعة او محاكمته والاحتلال، ليأتي أسلوبه سلبيا يميل الى اغتيال المؤسسة والشخصية او الاتهام بما يسميه العداء للسامية. اختيار الأسلوب يعود الى سياق القضية وخلفية المنتقد الاثنية والدينية والأيديولوجية والدولةالبلد.

اما النهج الثاني فهو “تضامني” ويتمثل بالدعم الجارف لموقف (كموقف ترامب) معاد على سبيل المثال لمحكمة الجنايات الدولية وذلك بغرض الهجوم أيضا.

 ففي سياق التحقيق بجرائم الاحتلال، كانت قد اصدرت  المحامية فاتو بينسودا، رئيسة الادعاء العام في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، يوم ٨ حزيران ٢٠٢٠ قرارها – وبعد تقديم منظمة التحرير الفلسطينيةدولة فلسطين ردها لمحكمة الجنايات، بعد إرسال الأخيرة استفسار الى  م. ت. ف حول كلمة الرئيس محمود عباس في ١٩ أيار ٢٠٢٠- والتي صرّح بها ان “دولة فلسطين ومنظمة التحرير أصبحتا في حل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية”. وجاءت تصريحات عباس ردا على التخطيط لنهب أراضي الضفة الغربية المحتلة وفرض “السيادة”.

وقد جاء في البند الخامس من رسالة المدعية العامة ان الادعاء لا يعتبر أن تصريح الرئيس عباس له تأثير على وضع فلسطين كدولة طرف في “نظام روما الأساسي” وعلى ممارسة اختصاص المحكمة في حالة فلسطين. و”لقد أوضح الادعاء بالفعل فهمه لاتفاقيات أوسلو وموقفه من أن اتفاقيات أوسلو لا تمنع ممارسة اختصاص او ولاية محكمة الجنايات الدولية في فلسطين. ولذلك يظل موقف الادعاء كما هو.” واضافت بينسودا في البند السادس من قرارها ان الادعاء لاحظ “بقلق، نية إسرائيل المعلنة بضم أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة على الفور، كليا أو جزئيا – ليس له شرعية قانونية ويستمر تطبيق قانون الاحتلال”.

وكانت فاتو بنسودا، رئيسة الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية، قد صرحت يوم٢٠ كانون أول

٢٠١٩ بأنها ستفتح تحقيقا كاملا في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية (وهذا ما يتوقه الاحتلال)، ما قد يشمل توجيه اتهامات لإسرائيليين. واضافت بنسودا: “أعرب عن ارتياحي إزاء وجود أساس معقول لمواصلة التحقيق في الوضع في فلسطين”. وأضافت أنه قبل فتح التحقيق، ستطلب من المحكمة تعريف حدود الأراضي المشمولة ضمن صلاحياتها، لأن إسرائيل ليست عضوا في محكمة الجنايات الدولية وذلك بخلاف فلسطين بعد انضمامها. وأضافت في بيانها: “لدي قناعة بأن جرائم حرب ارتكبت أو ترتكب في الضفة الغربية بما يشمل القدس الشرقية وفي قطاع غزة”. وأوضحت بنسودا أنه في ظل طلب الأراضي الفلسطينية تدخل المحكمة فإنها لا تحتاج لطلب موافقة القضاة على بدء التحقيق.

الا ان نتنياهو قال إن المحكمة الجنائية الدولية “ليس لها سلطة” للتحقيق في مزاعم بارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية ووصف ذلك بأنه “يوم أسود للحقيقة والعدالة”.

وكانت السلطة الفلسطينية قد طلبت عام ٢٠١٤ إجراء تحقيق رسمي “في جرائم حرب” يرتكبها مسؤولون إسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقدم الفلسطينيون ثلاث نقاط أساسية تتعلق بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة وقضية الأسرى في السجون الإسرائيلية. وما زالت محكمة الجنايات الدولية تقول إنها تجري دراسة أولية حول الحالة في فلسطين لتقرر وما إذا كان الوضع يستدعي إطلاق تحقيق رسمي. ولا تحقق المحكمة مع دول وإنما مع مسؤولين يشتبه فيهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ووفقا للنهجين المذكورين أعلاه (الهجومي والتضامني) رحّب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بإقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بفرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية  وعلى خلفية تحقيقها في جرائم حرب مزعومة ارتكبت في أفغانستان. وقال نتنياهو في ١١ حزيران ٢٠٢٠ إنه “هنأ ترامب ووزير الخارجية الأمريكي، مايك پومپيو، واصفًا قيادتهما التي تمثلت بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بالقيادة الشّجاعة،  بينما وصف محكمة الجنايات الدولية بأنها “فاسدة ومنحازة”، وفق تعبيره.  وأضاف:” أن هذه “المحكمة السخيفة ليست إلا محكمة مسيسة تطارد بشكل مهووس إسرائيل والولايات المتحدة ودولاً ديمقراطية أخرى تحترم حقوق الإنسان”. كما واتهم نتنياهو المحكمة الجنائية الدولية بفبركة تهمٍ لا أساس لها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأنها “تطلق مزاعم شنيعة على اليهود.”

انتهاكات الاحتلال وعدم قانونية افعاله

وفي سياق مرتبط يعتبر تصعيدا للضغط على نتنياهو واحتلاله، كان مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر يوم ١٦ حزيران ٢٠٢٠ بيانا من مقره في جنيف جاء فيه “إن اتفاق الحكومة الإسرائيلية الجديدة على ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة بعد ١ يوليو / تموز ٢٠٢٠ سينتهك مبدأ حجر الزاوية في القانون الدولي ويجب أن يعارضه المجتمع الدولي بشكل هادف.”

 كما اضاف البيان الذي وقعه ٤٨ من المكلفين في الاجراءات الخاصة الذين عينهم مجلس حقوق الإنسان:

“إن ضم الأراضي المحتلة هو انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، ويتعارض مع القاعدة الأساسية التي أكدها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة مرات عديدة بأن الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب أو القوة غير مقبول. لقد حظر المجتمع الدولي النهب على وجه التحديد لأنه يحرض على الحروب والدمار الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان والمعاناة الإنسانية واسعة النطاق. إن خطط إسرائيل المعلنة للضم ستوسع “السيادة” على معظم غور الأردن وجميع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية والبالغ عددها ٢٣٥ مستوطنة. وهذا سيبلغ حوالي ٣٠ بالمائة من الضفة الغربية. تم اعتماد ضم هذه الأراضي من قبل “خطة السلام الأمريكية للازدهار”، التي صدرت في أواخر يناير ٢٠٢٠. وقد ذكرت الأمم المتحدة في مناسبات عديدة أن الاحتلال الإسرائيلي (الثاني للقسم الشرقي من فلسطين وذلك عام ١٩٦٧) البالغ من العمر ٥٣ عاما هو مصدر انتهاكات عميقة لحقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني. وتشمل هذه الانتهاكات: مصادرة الأراضي، عنف المستوطنين، قوانين التخطيط التمييزية، مصادرة الموارد الطبيعية، هدم المنازل، النقل القسري للسكان، الاستخدام المفرط للقوة والتعذيب، استغلال العمال، الانتهاكات الواسعة لحقوق الخصوصية، القيود المفروضة على وسائل الإعلام وحرية التعبير، استهداف الناشطات والصحفيات، احتجاز الأطفال، التسمم بالتعرض للنفايات السامة، الإخلاء القسري والتشريد، الحرمان الاقتصادي والفقر المدقع، الاحتجاز التعسفي، انعدام حرية الحركة، انعدام الأمن الغذائي، إنفاذ القانون التمييزي وفرض نظام من مستويين من الحقوق السياسية، القانونية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية، المتباينة على أساس العرق والجنسية. كما ان المدافعين الفلسطينيين والإسرائيليين عن حقوق الإنسان، الذين يلفتون انتباه الجمهور سلمياً إلى هذه الانتهاكات، يتعرضون للافتراء أو التجريم أو وصفهم بالإرهابيين. وفوق كل شيء، يعني الاحتلال الإسرائيلي حرمان الفلسطينيين من حق تقرير المصير. ولن تزداد انتهاكات حقوق الإنسان هذه إلا بعد ضمها. ما سيتبقى من الضفة الغربية سيكون بانتوستان فلسطيني، وهي جزر من أرض غير متصلة محاطة بالكامل بإسرائيل وبدون اتصال إقليمي بالعالم الخارجي. وقد وعدت إسرائيل مؤخرًا بأنها ستحافظ على السيطرة الأمنية الدائمة بين البحر الأبيض المتوسط ​​ونهر الأردن. وهكذا، في صباح اليوم التالي للضم سيكون بلورة واقع غير عادل بالفعل: شعبان يعيشان في نفس المكان، تحكمهما نفس الدولة، ولكن مع حقوق غير متساوية إلى حد كبير. هذه رؤية للفصل العنصري في القرن الحادي والعشرين.”

كما واشار البيان الى تاريخية انتهاكات الاحتلال ضد القانون الدولي وبحق المواطنين الفلسطينيين والعرب (إذ تطرق الى احتلال وضم الجولان السوري المحتل) إذ جاء قبل ذلك مرتين، ضمت إسرائيل أراض محتلة – القدس الشرقية عام ١٩٨٠ ومرتفعات الجولان السورية عام ١٩٨١. وفي كلتي الحالتين، أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الفور النهب غير القانوني لكنه لم يتخذ إجراءات مضادة ذات مغزى لمعارضة الإجراءات الإسرائيلية.

على مر التاريخ انتقد مجلس الأمن مراراً وتكراراً المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي العام والقانون الدولي الانساني. ومع ذلك، فإن تحدي إسرائيل لهذه القرارات وترسيخها المستمر للمستوطنات لم يرد عليه المجتمع الدولي. فهذه المرة يجب أن تكون مختلفة. يتحمّل المجتمع الدولي مسؤوليات قانونية وسياسية رسمية للدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد، ومعارضة انتهاكات حقوق الإنسان والمبادئ الأساسية للقانون الدولي، وتنفيذ قراراته العديدة التي تنتقد سلوك إسرائيل لهذا الاحتلال المطول. على وجه الخصوص، من واجب الدول عدم الاعتراف أو مساعدة دولة أخرى في أي شكل من أشكال النشاط غير القانوني، مثل النهب أو إنشاء مستوطنات مدنية في الأراضي المحتلة. الدروس المستفادة من الماضي واضحة: النقد الذي لا عواقب له لن يحول دون الضم ولا ينهي الاحتلال. يجب أن تصبح المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب أولوية فورية للمجتمع الدولي. متوفر لها قائمة واسعة من تدابير المساءلة التي تم تطبيقها على نطاق واسع وناجح من قبل مجلس الأمن الدولي في الأزمات الدولية الأخرى على مدى ٦٠ عاما الماضية. يجب اتخاذ تدابير المساءلة التي يتم اختيارها بما يتفق تمامًا مع القانون الدولي، وأن تكون مناسبة وفعالة، تخضع للمراجعة المنتظمة، متسقة مع قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني وقانون اللاجئين، ومصممة للتراجع عن الضم وإحضار الاحتلال والنزاع إلى استنتاج عادل ودائم. الفلسطينيون والإسرائيليون لا يستحقون أقل من ذلك”.

من الواضح ان هناك ضغوطات من قبل بعض الهيئات الدولية المختصة بحقوق الانسان الا انه من المؤكد ان سلطات الاحتلال بقيادة نتنياهو لن تتعامل مع الهيئات الأممية، بل ستتجاهلها قانونيا وتهاجمها اعلاميا (فقد قاطعت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، حول جرائم حرب اقترفها جيش الاحتلال   بين ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٨ و١٨ يناير ٢٠٠٩ حيث تم قتل   ١،٤١٧ فلسطيني وجرح ٤،٣٦٦).

التوصية بأنه يجب “إنهاء الإفلات من العقاب أولوية فورية للمجتمع الدولي” مهمة الا انها لا تمنع من الطرف المحتل والمعتدي في كل الحالات من التوقف عن تنفيذ اعتداءاته. فإذا ما اخذنا القرار الصادر عن محكمة الجنايات بما يتعلق بجدار الابارتهايد الفاصل والذي أقامه الاحتلال أيضا في داخل أراضي شرق فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧، فإننا نجد أنَّ المحكمة اقرت بخروقات وانتهاكات الاحتلال وبحق الفلسطينيين بتقرير المصير، لا بل بمطالبة إسرائيل بإزالة المقاطع من الجدار التي أقيمت داخل الأراضي التي احتلت عام ١٩٦٧؛ كما نادت كل الدول بعدم قبول الوضع غير القانوني الذي نجم عن إقامة الجدار الفاصل. وفي النهاية طالبت كل الأطراف لاتفاقية جنيف الرابعة العمل على ضمان امتثال إسرائيل للقانون الإنساني الدولي على النحو المنصوص عليه في اتفاقية جنيف الرابعة’. الا ان البند الاخير من التوصية أحال الوضع القانوني الى هيئة سياسية والتي لم تتخذ أي اجراء إضافي اذ جاء:

” وأخيرا، ترى المحكمة أنه ينبغي للأمم المتحدة، ولا سيما الجمعية العامة ومجلس الأمن، النظر في الإجراءات الأخرى المطلوبة لإنهاء الوضع غير القانوني الناتج عن تشييد الجدار والنظام المرتبط به، مع مراعاة الرأي الاستشاري الحالي.”

وتجدر الإشارة الى ان المقصود هو الرأي الاستشاري الصادر بتاريخ ٩ تموز ٢٠٠٤ الذي أكد على عدم الشرعية وكذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٠٣ والذي يطالب الاحتلال بوقف البناء وازالة الجدار. يضاف الى ذلك قرار اليونسكو ١٨ تشرين الاول (اكتوبر) ٢٠١٦ المتضمن نفي ارتباط اليهود كدين بالمسجد الأقصى وحائط البراق ويعتبرهما تراثاً دينياً إسلامياً خالصاً. كما يتساوق مع قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في ٢٣ ديسمبر (كانون الأول) من ذات العام، حيث طالب فيه “إسرائيل” بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكّد على عدم شرعية إنشائها للمستوطنات منذ عام ١٩٦٧ بما فيها القدس الشرقية.

وكذلك قرار الجمعية العامة الصادر في ٢١ ديسمبر ٢٠١٧ القاضي برفض قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة والذي حظي بشبه الاجماع الدولي حيث نال تصويت ١٢٨ دولة داعمة له مقابل ٩ أصوات رافضة وامتناع ٣٥ دولة عن التصويت وانسحاب دولتين، وهو من القرارات المهمة التي صدرت عن الجمعية العامة بهذا القدر من الانحياز الاقرب إلى التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وهو ما يقتضي القول أن أي نقاش أو قرار أو تصويت أو فعل أو ادعاء أو اعتداء أو تزوير أو إقصاء أو تحريف أو فرض أمر واقع لن يغير الحقيقة التاريخية والدينية والوطنية بحق الشعب الفلسطيني في ارضه وله حق تقرير المصير، ولن تعطي أي قرارات صادرة من أي جهات كانت الشرعية للفعل” الإسرائيلي” على الأرض، مهما كان مصدر هذه القرارات ودوافعها.

رغم المواقف والقانون الدولي، فالنتيجة (لغاية الآن) كانت ان إسرائيل لم تمتثل، والجدار ما زال قائما ولم تقُم أيّة دولة بالضغط على الاحتلال ضغطا فاعلا لتغيير الوضع. كما ان هيئة الأمم المتحدة ومجلس الامن لم يتحركا لإعادة الوضع لنصابه، أي قبل اختراق القانون.  لكن من ناحية ثانية كان من الأفضل العمل على اصدار هذا القرار من عدمه لما قد يكون له من تأثير في حال تغيرت المعادلات السياسية، ونتيجة لما قد يكون له من وزن تراكمي ولربما في هذه الفترة او بما تعلق بالنهب المخطط له؟

ورغم انه من الممكن الادعاء ان استهتار الاحتلال بالمجتمع الدولي والأمم المتحدة هو نتيجة لدعم دونالد ترامب لنتنياهو او من قوتها العسكرية او من ضعف الموقف العربي او من عدم استطاعة الجانب الأوروبي مواجهة الاحتلال (بسبب إرث الماضي وعقدة “المحرقة”) الا ان هذا الاستهتار ليس جديدا ولا يقتصر على اليمين الصهيوني المتطرف. فمصدر هذا السلوك المتعجرف هو تصرف لدافيد بن غوريون، اول رئيس وزراء للاحتلال، ولكن عندما كان وزيرا للدفاع  في عام ١٩٥٥، عندما اراد احتلال قطاع غزة (من مصر) وذلك نتيجة لما اسماه “تكاثر الهجمات الإرهابية”.

وعندما طرح رئيس الحكومة آنذاك، موشيه شاريت، في جلسة الحكومة إمكانية رد فعل قوي من قبل الأمم المتحدة تجاه عملية احتلال لقطاع غزة كانت اجابة بن غوريون: “أوم شموم” – (أمم متحدة – أمم لا شيء”). أي ان الأمم المتحدة لا تعني ويجب الا تعني شيء (لنا، لكيان الاحتلال).

 دخلت هذه الحادثة وهذا السلوك منهج الوقاحة  والعنجهية للإدارة الصهيونية التي تدير احتلال فلسطين منذ تلك الحادثة إذ أصبحت بحد ذاتها مصطلحا (حوتسپاه: تجاوز الحدود بتصرف غير أخلاقي وغير عادل) ومنهجا سلكت وتسلك عليه كل إدارة الاحتلال بشكل مستمر. وهذا الشعور بالازدراء هو حالة نفسية تشكلت قبل ان يتحول الاحتلال الى قوة نووية وبالتأكيد قبل النكسة إذ يعتمد على شعور متزايد من الثقة بالنفس وبالإيمان بالفوقية. الا ان هذا الازدراء ينجم عن مقارنة الذات (القومية) بالآخرين وتوجيه الحقد نحوهم نتيجة عوارض الماضي او اصدار الاحكام عليهم بأنهم اقل من المتحدث إضافة الى توظيف الشعور بالانتماء الى “شعب الله المختار”.

وفي نهاية هذا القسم القانوني الرسمي، اشير الى عدم علاجي لأهمية التضامن والحراك الشعبي حول العالم مع قضية الشعب الفلسطيني، وحقوقه كشعب أصيل يحفظ له التاريخ والجغرافيا حقه. وبالتأكيد فان أية معالجة للملفات المعقدة التي تطرقت لها هذه المساهمة ببعديها السياسي والدبلوماسي وتقاطعاتها الداخلية والاقليمية والدولية لا يمكن إكسابها قوة الحق وحق القوة من دون مشاركة شعبية (غير رسمية) عبر العالم. ودونكم ما يجري من تضامن في هذه الفترة وذلك في اعقاب مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي (جورج فلويد) وانعكاساتها على العالم، وما قدمه ذلك التضامن في الماضي من دعم لهزيمة نظام الفصل العنصري (الابارتهايد) في جنوب أفريقيا.

الخلاصة

يستخدم الاحتلال الثقافة السياسية والرواية الإعلامية ليس اقل مما يستخدم المسارات السياسية والقانونية وذلك للاستحواذ على طريقة تفكير العالم وبلورة الرأي العام المحلي وتغيير معتقداته، وكل ذلك من اجل السيطرة لا بل للإجهاز على فلسطين بالكامل.

فكما ورد أعلاه، لقد قامت وتقوم وستقوم الإدارة الصهيونية التي تحكم فلسطين بتأليف سردية يهودية دينية– صهيونية مُحكمة وفقا لبرنامج ذي رؤية واضحة يشمل استراتيجية متكاملة لتحقيق هدف السيطرة الكامل على الأرض، وعبر العقود القادمة ستكون هناك محاولة لإخلاء فلسطين من سكانها الاصليين.

هذا التسويق هو جزء من “فن” سيكولوجيا السياسة إذ يشمل الطلاء الروائي واللمعان السردي الذي هو بمثابة المادة التي تحمل العمل السياسي وتسوقه لكي يصل الى العالم وبشكل “مقنع”؛ تماما كما تحمل كريات الدم الحمراء الاكسجين وتنقله لخلايا الجسم كلها. وتأكيدا على هذا التحايل فقد جاء في كتاب الناقد الادبي اليهودي – الإسرائيلي يوحاي اوپنهاييمير تحت عنوان “ما وراء السياج/الجدار”( ٢٠٠٨)، ما يلي:

“نجحت القصة العبرية في تجاوز، إن لم نقل في ان تمحي التاريخ الفلسطيني وخاصة النكبة: ولتحقيق مرادها فقد استثمرت مجهودا وخيالا بشكل عملاق”.

 ان ما تفعله الإدارة الصهيونية المنبثقة عن الحركة الصهيونية والتي تحكم فلسطين (الأجزاء المختلفة وبمسميات متعددة) هو توفير للأدلة الدامغة والتأكيد، بدون تردد او مبررات، انها لم ترد  ولن تريد الاعتراف بالحق الفلسطيني (ولو على ٢٢ بالمائة من فلسطين او اقل) كما أنّها ترفض أي حل سلمي يسمح للفلسطينيين العيش بحرية وكرامة واستقلال في وطنهم. فما ارادت فعله تدريجيا هو المضي قدما في النهب وفي مخططات لمزيد من النهب الاضافي للبقية الباقية. ولتدويخ المجتمع الدولي وخداع القيادة الفلسطينية فهم يتبنون تكتيكات مختلفة تهدف الى “إدارة الصراع” (مستعملين طرق شتى وعملاء ووكلاء) بأقل حجم من الضرر (الأمني والاقتصادي والسياسي)، وحصد أكثر قدر من الأرباح بكافة الوسائل لغاية سحق فلسطين العربية والفلسطينيين.

عصارة التصريحات والمواقف والمخططات المتواجدة في المستندات ما بين نتنياهو وترامب وشاكيد وكوهِن وغيرهم، هي كما يلي: لا لدولة ولا لدولتين، لا لعودة اللاجئين، لا لإزالة المستوطنات، لا للقدس عاصمة الدولة الفلسطينية، لا لحدود جغرافية مع الاردن، لا لتواصل جغرافي ولا للحق الفلسطيني على الموارد الطبيعية ولا ما تمطره السماء ولا ما هو في الارض. لذلك، فعليا وباعترافهم، فإنَّ الاحتلال يسيطر في الارض والجو والبحر.

تقوم الادارة الصهيونية بتعريف دولتها على انها “يهودية وديمقراطية”. وما قصَدَت تغييره في “قانون القومية” وبواسطة الديباجة الجديدة هو ان يصبح هذ الكيان “دولة يهودية” فقط. واضافت “أمرا” وهو ان هذا الكيان هو عبارة عن دولة تُعد البيت القومي للشعب اليهودي فقط – ولهم الحق الحصري في هذا – إذ لا يحق لأي شعب آخر تقرير مصيره بفلسطين غير اليهود.

وكجزء من مخطط استعماري مخادع عادة ما يجهل الطرف العربي – الفلسطيني والعالم تفاصيله (ولكن غالبا ما يشعر به وهذا مفيد لكن ليسا كافيا)، حاول نتنياهو وذلك بعد صدور “قانون الدولة القومية للشعب اليهودي” في صيف ٢٠١٨  ابتزاز الاعتراف بيهودية فلسطين كلها دون ان يقول ذلك آنذاك، عبر طلب الاعتراف بيهودية “دولة إسرائيل” من القيادة الفلسطينية المقيمة في القسم الشرقي من فلسطين، وليس من “المواطنين” نُجاة النكبة’ في ‘غرب فلسطين’، رغم انه مما بدا آنذاك انهم المتضررون الرئيسيون من هذا القرار العنصري وغير القانوني.

صحيح ان محاولة الابتزاز التي رفضتها القيادة الفلسطينية تمحورت علنيا بالمنطق القائل: ان هوية الدولة يحددها ويقررها مواطنوها؛ فاغلب الظن ان القيادة الفلسطينية لم تحلم آنذاك بمشاهدة ما كان قادما من مخططات نهب جديدة حقيقية. فبعد اشهار وثيقة ‘صفقة القرن’ والبدء بالترويج لـ”مخطط النهب” اتضحت حدود الخدعة التي كان نتنياهو ينسجها والتي تشمل فلسطين الاصلية ككل، وذلك عبر نهب (وفرض ““السيادة”” على)  اقسام اخرى  منها بواسطة الزحف اللامتناهي والى ان يقترب من الـ ١٠٠ بالمائة نهب وليتم تعريفها كلها كالتالي: كل الأرض تساوي = مساحة كل الدولة. إذ ان الاعتراف الذي كان نتنياهو يريد الحصول عليه (بيهودية دولة بدون أراضي ١٩٦٧) كان سيؤدي او على الأقل يفسر ويستغل (وذلك بدون معرفة القيادة الفلسطينية آنذاك وبعد النهب الزاحف) وكأنه اعتراف من طرف القيادة الفلسطينية بيهودية فلسطين ككل. وبذلك تصبح فلسطين “دولة ارض إسرائيل اليهودية” الكاملة والكبرى – والفلسطينيون في أحسن حال سيتحولون الى عبيد للسادة حتي يتم ترحيلهم الى الأردن لان هذا هو جزء من المخطط، على ان يصبح الأردن، “الوطن البديل”.

ففي المستقبل المنظور النتيجة ستكون دولة ابارتهايد بالمجمل واضافة سجن جديد لحوالي ٣-٤ مليون فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة على ذلك القائم في قطاع غزة؛ وبعد الابارتهايد سيأتي التطهير العرقي في اقل حد بواسطة الترحيل “الترانسفير” الذي تم اقتراحه من قبل مائير كاهانا الأمريكي اليهودي الذي أسس حركة “كاخ” ونجح في ان يصبح عام ١٩٨٤ عضو كنيست والذي

قدّم في كتابه “دبابيس في عيونكم” (١٩٨٠) رؤيته إذ جاء:

“الدولة اليهودية تعني التفكير والعلاقات اليهودية، وتعني الثقافة اليهودية والروح اليهودية في الجمهور اليهودي. ولكن فوق كل شيء، يعني ذلك سيادة يهودية وسيطرة يهودية على وجهتها. لا يمكن تنفيذ ذلك إلا في إطار أغلبية يهودية دائمة وأقلية عربية صغيرة جدا وهادئة. لكن العرب يعتقدون أن اليهود سارقون، قاموا بسرقة بلادهم. لا يشعر العرب بعلاقة ملزمة أو عاطفية بدولة روحها يهودية. والعرب يتكاثرون كما ونوعا. سيطلبون المزيد من المشاركة في الحكم. سوف يطالبون “بالحكم الذاتي” لأجزاء مختلفة من الدولة. وبعد ذلك سيهددون الأغلبية اليهودية من خلال معدل الولادة. والنتيجة: اصطدام دموي. إذا أردنا منع مثل هذا التطور، فهناك طريقة واحدة مفتوحة أمامنا: النقل الفوري للعرب من فلسطين إلى بلادهم. لأنه لا يوجد سوى حل واحد للعرب واليهود: الفصل. اليهود في بلدهم، بينما العرب في بلادهم. انفصال. فقط الفصل.”

في الأمد القريب ووفقا للجدل القائم في الاحتلال واروقته وائتلافه ومستعمريه وجيشه ومخابراته ومع البيت الأبيض آخذين بعين الاعتبار المخاوف من ردود فعل فلسطينية وعربية وأوروبية وعالمية، فإن الحديث يدور عن خمس إمكانيات قد يشملها او تواجه ‘مخطط النهب’ لنتنياهو وحكومته:

الأولى: هي النهب الشامل لثلاثين بالمائة من الضفة الغربية المحتلة بما في ذلك كل المستعمرات (كبيرة وصغيرة وتقع في نقاط مختلفة ومتعددة من شرق فلسطين المحتل عام ١٩٦٧) والاغوار.

الامكانية الثانية: هي العمل على ضم المستعمرات الكبرى فقط وترك المستعمرات الصغرى والاغوار في الوقت الحالي. وتشمل المستعمرات الكبرى الثلاث ما يلي: “معاليه ادوميم” (٤٠ ألف مستوطن وتقع على أراضي بلدة أبو ديس شرق القدس)؛ ومستعمرة “اريئيل” (٢٢ الف مستوطن وتقع ما بين يافا (جنوب غرب) ونابلس (شمال شرق) على أراضي بلدة سلفيت وقرى مجاورة)؛ ومستعمرة المجلس الإقليمي “غوش عتصيون” (25 الف مستوطن وهي مستعمرة مؤلَّفة من تجمعات صغيرة) تقع في جبل الخليل والى الجنوب من القدس وبيت لحم.

 الامكانية الثالثة: هي ضم كل المستعمرات (كبيرة وصغيرة) وترك الاغوار (مؤقتا).

الامكانية الرابعة: فرض “السيادة” على المستعمرات في القدس المحتلة.

الامكانية الخامسة: تجميد تنفيذ مشروع النهب الى وقت لاحق.

الا انه في الأمد المتوسط والبعيد ستفيد عملية التفريق ما بين “فكرة (رؤية) المخطط”، “اعداد المخطط”، “توقيت الإعلان عنه” و “واتخاذ القرار والعمل به”. وقد يتم الغاء الإعلان عن تنفيذ النهب لأسباب متنوعة الا ان هذه الدراسة تدعي ان ليست هذه هي المسألة الأهم. فالأهم هو ان فكرة ورؤية وقناعات ومخططات النهب موجودة ولن تتغير في المستقبل المنظور وقد يتكرّر سيناريو النهب (بحال تم تجميده او تقليصه الان) في المستقبل لتفاجئ او تخلط موازين القوة من جديد.

أرى ان التفسير الأكاديمي للحالة الفلسطينية في العلوم السياسية (وذلك وفقا للخطوات والمخططات الصهيونية السائدة) مبني على نظرية المحاكاة والنظرية الاقتصادية. إذ يتم وصف “المجموع الصفري” في الحالة التي يكون فيها ربح أو خسارة مشارك – ما هو مساو بالضبط لمجموع الخسائر أو المكاسب للمشاركين الآخرين. فإذا ما قمنا بإضافة المكاسب الإجمالية لطرف واحد، وطرح خسائر الطرف الآخر، فإن المجموع سينتهي إلى نقطة الصفر الا إذا انتقلت الأطراف المختلفة لمعادلة الربح النسبي للجميع وهذا عادة ما يحدث نتيجة ضغط كبير ومتنوع!

 حاليا، وإذا ما جمعنا كل المخططات والمقترحات: من ألـون الى نتنياهو ومن ترامب والى كوهِن وشاكيد وغيرهم، سنخلص الى النتيجة ان القصد من وراء كل هذه المخططات يتراوح ما بين نفي حل الدولة او الدولتين وحتى ترحيل الفلسطينيين والتطهير العرقي والذي من الواضح ان نتيجته ستكون محاولة قرض الفلسطينيين – أي الى “المجموع الصفري” بحيث يكون الطرف الفلسطيني هو الخاسر.

كلمة أخيرة

بعضكم سيسأل: وهل سيقف الفلسطينيون مكتوفي الايدي ينتظرون حتفهم؟ وللإجابة أقول التالي:

من المستحيل ان تحيط هذه المساهمة بكل جوانب الموضوع وتحدياته وتداعياته على المستويين المباشر وافرازاته المستقبلية. أي عمل وبما في ذلك العمل الأكاديمي مهما كان طوله ومهما استغرق من وقت مع ان هذا البحث تم إنجازه بفترة قياسية، فانه من المستحيل ان يكون شاملا وكاملا.

كمن توقع حدوث الانتفاضة الفلسطينية الأولى عاماً قبل حصولها، ولاحقاً زفّها الى العالم في ديسمبر – كانون الأول ١٩٨٧ بعد تغطية مطولة (من قطاع غزة شملت الإصابة في الوجه) وتم تتويجها بتقرير صحفي عالمي تحت عنوان: “هذا ليس تمرد – انها حرب”، لربما لاحظتم انني لم اتطرق الى الطرف الفلسطيني وإمكانية او نوعية رد الفعل الفلسطيني الشعبي منه او الرسمي على مخطط النهب. لكني اعدكم بمقالة مكرسة بالكامل عن الطرف الفلسطيني والتي ستأتي قريباً!

اقرأ ايضا: رشيد الخالدي: مؤرخا وشاهدا على «حرب المئة سنة على فلسطين»

ومن الواضح أنه بينما يقوم المؤلف بمجهود كبير لإنتاج الدراسة فهو يتمنى على القراء مشكورين عناء القراءة ومن ثم الاستفادة والتفاعل مع الاطروحة عبر الإدلاء بملاحظاتهم لكي يتم الاخذ بعين الاعتبار ما لزم وتحسين جودة البحث قبل صدوره ككتاب موسع. فمن وجد منكم ما ينفع الناس، فسأكون شاكرا لو قام بتنبيهي لكي تعم الفائدة على الجميع.





Source link

رابط مختصر

اترك رد

Save on your hotel - hotelscombined.com